الدرج الطويل وحوار الألغاز بين الرئيسين بوتن والشرع

الدرج الطويل وحوار الألغاز بين الرئيسين بوتن والشرع

زيارة الرئيس الشرع الى موسكو والدرج الطويل وحوار الألغاز بين الرئيسين بوتن والشرع

كتب عبد الهادي المحيسن كاتب وباحث

ماهي قصة الدرج الطويل الذي حاول الرئيس بوتن اختبار الشرع به ، هل هو يشبه قصة الكلب الذي أخاف به بوتن المستشارة ميركل …. كانت موسكو تغتسل بالثلج في ذلك الصباح حين هبطت الطائرة الحكومية السورية في مطار فولوكوفو ، كان الهواء بارد الى حد يجعل الأنفاس بخاراً ، والسماء تميل الى اللون الرمادي كأنها تشارك البرتوكول الرسمي وقاره ، خرج احمد الشرع من باب الطائرة بخطوات متزنة .

كان الرئيس الشرع يرتدي معطفاً رمادياً طويلاً يبدو عليه وكأنه استعاره من فلم سوفياتي ، لم يكن الرئيس يحب المظاهر كثيراً لكنه كان يعلم أن روسيا لا تمزح في التفاصيل ، وكل شيء عندهم محسوب في الزاوية التي يقف فيها الجندي والثنية التي ترفع فيها القبعة حتى في المسافة بين ضيف الكرملين وبين السجادة الحمراء التي تسبق القصر…ألقى الشرع نظرةً سريعةً على السجادة التي أمامه ، فبدت أنها أطول من اللازم قليلاً ثم ابتسم في داخله وهو يقول بصوت خافت : يبدو أن الرئيس بوتن يحب الاختبارات من اللحظة الأولى .

كان الشرع يعرف تلك العادة عن بوتن ، فقد قرأ عنها وسمع عنها من دبلوماسيين كثيرين يقولون أن بوتن لا يبدأ اللقاءات بالتحية بل بالاختبار … اختبار صبر الضيوف وربما اختبار رُكَبهم أيضاً .. تذكر الشرع أن بوتن أحضر كلبا ضخما ليرعب المستشارة الألمانية انجيلا ميركل التي تخاف الكلاب ، وأنه جعل الرئيس التركي ينتظر ربع ساعة تحت أنظار الكاميرات ، وأجبر الملك سلمان على السير في ممر لا نهاية له حتى يبلغه ، وأجلس ماكرون على طاولة أطول من شريط الحدود السورية نفسها ، ابتسم الشرع وقال لمستشاره مازحا يبدو أن وقت الاختبار قد حان لنا أيضا ، ورد المستشار مبتسما وقال المهم أن لا يكون عندهم دب في القاعة هذه المرة .

ضحك الرئيس بخفت بينما كانت المراسيم الروسية تتقدمهما بخطي ثابتة في الطريق الى قصر الكرملين وكان الموكب يتحرك ببطيء محسوب ، بين صفوف من الجنود الروس الذين يقفون بلا حركة كأنهم تماثيل ثلجية ، كانت السيارات السوداء تلمع تحت ضوء الثلج وصوت العجلات على الجليد يشبه صفير ناي بعيد قادم من الشمال ، وحين وصل الموكب الى القصر وقف الشرع أمام البوابة العظمى ، ونظر الى الأعلى فوجد سلماً طويلاً ….. طويلاً الى حد أثار فيه الضحك كأن المهندس الذي صممه أراد أن يرهق الداخلين قبل الدخول .

كأن بوتن أراد أن يُذكّر ضيوفه أن الصعود الى موسكو لا يكون مجانا ، التفت الشرع الى الوفد المرافق وقال مبتسما اعتقد أن الرئيس بوتن يحب المرتفعات أو يحب أن يرى ضيوفه يتصببون عرقا في الجو البارد ، ثم رفع رأسه نحو القمة التي تنتظره وقال بروح مرحة وهو يخطو الخطوة الأولى ، لنثبت لهم أننا قوم اعتادوا صعود الجبال لا السلالم ، كانت الكاميرات تلتقط المشهد والحراس يراقبون بخطوات متناسقة كل حركة ، صعد الشرع ومعه الوفد السوري بخطوات واثقة بينما كان المترجم الروسي الذي بجانبه يلهث صامتا أيضا ويحاول أن يخفي تعبه بابتسامة رسمية .

وقبل أن يبلغ القمة قال الشرع بصوت يسمعه من خلفه ، لحسن الحظ أننا نمارس الرياضة ولولا ذلك لما وصلنا هنا بدون تعب بعد صعود هذا السلم الطويل ، ضحك الجميع لكن الابتسامة الأعرض كانت على وجه بوتن نفسه الذي كان يراقب المشهد من الكاميرات الداخلية في القاعة ، وقال بوتن لمرافقه وهو يبتسم بخبث هذا الرجل ذكي وقد فهم اللعبة قبل أن تبدأ ، دخل الشرع القاعة الواسعة التي تشبه المتحف أكثر من قاعة اجتماعات ، فيها ثريات كأنها شلالات ضوء معلقة وجدران مزينة بذهب روسي فخم لا يعرف البساطة

اقترب بوتن ببطيء كعادته في الاجتماعات الرسمية لا يستعجل السلام ، بل يجعل الضيف ينتظره خطوة بعد خطوة وصافحه بحرارة وقال بابتسامة مرحة وهو ينظر حوله ، يبدو أن روسيا تحب إبهار الضيوف حتى السلالم فيها طويلة ، ضحك بوتن بخبث وقال عبر المترجم : نحن نؤمن أن الصعود الى الكرملين يجب أن يكون اختبارا ل – اللياقة السياسية أيضا ، أجابه الشرع سريعا الحمد لله اننا أجرينا الاختبار من دون اوكسجين ، وضحك بوتن بصوت مسموع هذه المرة وكانت تلك الضحكة بداية غير متوقعة للقاء كان يفترض أن يكون سياسيا جافا .

جلس الإثنان على طرفي الطاولة المستديرة وبينهما باقة ورد صغيرة وملفان ، لكن الشرع كان يعلم أن الطاولة رغم استدارتها فيها زاوية سياسية حادة ، ففي موسكو لا يقدم الشاي قبل أن يُقدم موقف ، وقبل أن يبدأ الحوار الرسمي ، أراد بوتن أن يمارس عادته القديمة في الهيمنة الهادئة فجلس بهدوء صامت ووضع يده على الطاولة دون أن يتكلم لثواني طويلة ، ثم قال فجأة عبر المترجم هل استمتعتم بصعود السلالم ، رد الشرع دون تردد .. كثيرا حتى أنني قررت أن أرسل نسخة من التصميم لوزارة الرياضة لدينا ، ضحك بوتن وابتسم الوفد الروسي ثم أضاف الشرع بابتسامة ماكرة ربما أجعلها اختباراً لموظف الدولة قبل التعيين .

فمن يصعد دون توقف فهو مؤهل للخدمة العامة ، سجل المترجم العبارة بحذر في ذاكرته ، بينما كان بوتن يرفع حاجبيه قائلا : إنها فكرة جيدة لكن هل تعلم في دمشق سلالم بهذا الطول … لا أجابه الشرع لكن عندنا جبال كثيرة ودرجات السياسة أصعب من أي سلم عندكم في موسكو ، عندها عم الصمت للحظة ثم ابتسم بوتن وقال بنبرة ودية هذه المرة : السياسة في كل مكان جبل لا نهاية له لكن من يصعده بابتسامة يصل أبعد مما يتوقع ، ورد الشرع وأنا تعلمت منكم أن من يربك الآخرين أولاً يربح الجولة الأولى ….( يتبع في الحلقة القادمة

موقع الشراع الالكتروني

شارك المقال