وسيم فؤاد الأدهمي: كاتب يصنع من التفاصيل مسرحاً للمعنى

وسيم فؤاد الأدهمي: كاتب يصنع من التفاصيل مسرحاً للمعنى ويحفظ اللغة وطنًا

وسيم فؤاد الأدهمي… يقف عند حدود اللغة.. ويصنع من التفاصيل مسرحاً للمعنى

في المشهد الإعلامي اللبناني، حيث تتزاحم الأصوات وتتقاطع السرديات، يطلّ وسيم فؤاد الأدهمي ككاتب لا يشبه العابرين في المهنة. هو واحد من أولئك الذين يَدخلون النصّ كما يدخل الممثّل الخشبة: بخطوة محسوبة، وبحسّ داخلي يلتقط نبض اللحظة قبل أن يراوغها بالكلمات.

وسيم ابنُ مدرسةٍ تؤمن بأن الصحافة ليست إعلاناً للخبر فقط، بل تشييدٌ لمسرحٍ آخر—مسرحٍ بالكلمات هذه المرّة—تقوم فيه الحقائق بدور الشخصيات، وتتصارع فيه القوى الإقليمية كما لو أنها أنصاف آلهة في تراجيديا شرقية لا تنتهي.

وجهٌ يعرف المنطقة من نبضها

على مدى سنوات، تنقّل الأدهمي بين مؤسسات إعلامية وصحف ومجلات، وكتب عن الحروب كما لو أنه يسمع دقّاتها من خلف الجدار. لم يكتفِ بنقل الحدث، بل ظل يسعى إلى ما وراءه: إلى تلك المنطقة المظلمة التي تختبئ فيها النوايا، وإلى الشقوق التي يتسلل منها الضوء.

كتب عن غزة، وعن سورية، وعن خرائط تتغير كل يوم، لكنه ظل يحافظ على تلك المسافة التي تمنح الكاتب القدرة على الرؤية… القدرة على سماع الأصوات التي تُغرقها المدافع عادةً.

في مقالاته، لا يظهر المحلّل البارد، بل الراوي الذي يعرف أن للسياسة ظلّاً، وللناس وجوهاً، وللأرض ذاكرة تُكابر على النسيان.

بين السياسة والثقافة… خطّ يُمسكه بإبرةٍ دقيقة

وإذا كان كثيرون يكتبون في السياسة، فإن قلائل يملكون ذلك الميل الطبيعي إلى أنسنة التحليل. وسيم أحدهم.
هو ابن مدرسةٍ ترى أن فهم الجغرافيا يمرّ أولاً عبر فهم البشر، وأن أعقد ملفات المنطقة تبدأ من قصة إنسان بسيط، مكسور، أو مُنهك.

ولأن المسرح لا يغيب تماماً عن روحه، يظهر في مقالاته إيقاعٌ يشبه تكوين المشهد: بداية، ذروة، وانحدار هادئ نحو الخاتمة. كأن كل مقال فصلٌ من مسرحية طويلة كتبها الشرق ولم يسدل ستارها بعد.

كاتبٌ يعرف أن اللغة وطنٌ صغير

إلى جانب السياسة، كتب الأدهمي للأطفال، وكأنما أراد أن يعود إلى البراءة الأولى للغة. أصدر قصة تعلّم الصغار معنى أن يكون الكتاب صديقاً، في زمنٍ تتكاثر فيه الشاشات وتضيق المساحات التي يركض فيها الخيال.

وفي عمله التحريري، قاد منصات رقمية، وأدار محتوى، ورافق صعود الصحافة الحديثة… دون أن يفقد تلك اللمسة الإنسانية التي تُبقي الكاتب قريباً من جمهوره، مهما تغيّرت الوسائط.

خلاصة

وسيم فؤاد الأدهمي ليس مجرّد صحافي أو محلل سياسي.
هو كاتب يسلك المهنة كما يسلك العائد طريقه إلى بيته بعد ليلة مطيرة: بخطوات هادئة، بثقة، وبقلبٍ يعرف أن كل كلمة تُقال في العتمة يمكن أن تصبح منارة.

في زمنٍ تكاد فيه الأصوات أن تتشابه، يظل وسيم واحداً من أولئك الذين يتخذون من الكتابة موقفاً، ومن التحليل فعلاً للمقاومة، ومن الحقيقة خشبةً يضيئونها بلا خوف.

سيمون خوري

شارك المقال