قصة كشفية

مسابقة الطبخ في قلب الطبيعة… قصة كشفية عن التعاون والإبداع

مسابقة الطبخ في قلب الطبيعة… قصة كشفية عن التعاون والإبداع

من سلسلة قصص الكشافة
القصه ١٣
مسابقة الطبخ في قلب الطبيعة

لم يكن صباح ذلك اليوم عاديًا في حياة فرقة الكشافة والمرشدات. الهواء نقيّ، والنسيم العليل يحرّك أغصان الأشجار بلطف، وكأن الطبيعة تستعد هي الأخرى لمشاهدة المسابقة.
وقف القائد سامر أمام الجميع، وابتسامة فخر تملأ وجهه وهو يقول:

“اليوم سنخوض مغامرة مختلفة… مسابقة الطبخ في الطبيعة، باستخدام ما توفره الأرض وما يمكنكم إبداعه بأيديكم. تذكروا: الحكمة، التعاون، والمعرفة… هذه هي أدواتكم الحقيقية.”

لم يكد ينهي كلامه حتى انطلقت الفرق نحو أعماق الغابة.
كانت المرشدات بقيادة ليان أول من بدأ بالعمل. اختارت مكانًا مناسبًا تحت ظل شجرة بلوط كبيرة، وطلبت من فريقها جمع الحطب والحجارة. بعد قليل، تمكنّ من تشكيل موقد حجري صغير، ورحن ينظفن بعض الخضار التي كنّ قد أحضرنها معهن: بطاطا، جزر، كوسا، وبصل.

اكتشفت إحداهن مجموعة أعشاب برية خفيفة الرائحة، فاقتربت ليان وهي تلمسها بحذر:
“هذه تصلح للتتبيل… ستعطينا نكهة مميزة!”

وضعت الخضار في قدر فخاري بدائي عثرن عليه قرب مخيم قديم، ثم أضفن الماء والأعشاب، وبدأن بتحريك المزيج فوق النار الهادئة. كانت رائحة الحساء تتصاعد شيئًا فشيئًا، ممزوجة برائحة الحطب المشتعل، فتملأ المكان دفئًا وراحة.

على الجانب الآخر، كان فريق الكشافة بقيادة جاد يعيش أجواءً حماسية مختلفة. قرروا صنع شواية طبيعية باستخدام سيخ خشبي طويل وصخور مسطّحة تشكّل قاعدة. وبعد جهد وجهد، نجحوا في إشعال نار مستقرة.

بدأ جاد بتنظيف قطع من الخضار الكبيرة: بطاطا تُشوى على الفحم، باذنجان، وفلفل أخضر. ثم أحضروا بعض قطع الدجاج المتبقية من نشاط سابق، وبدأوا بتتبيلها بالأعشاب البرية التي وجدها زميله عمر.
قال عمر ضاحكًا وهو يشم التتبيلة:
“إذا ما كان طعمه طيب… على الأقل ريحته ممتازة!”

وضعوا السيخ فوق النار، وبدأ الشواء. راحت الدهون تتقطر على النار فتصدر أصوات فرقعة خفيفة ورائحة شهية ملأت الجو. وقف الكشافة حول النار بحماس، يقلبون الخضار والدجاج بين الحين والآخر، وكأنهم طهاة محترفون في مطعم جبلي.

ومع مرور الوقت، بدأت الروائح تمتزج:
رائحة حساء المرشدات العطري…
مع رائحة الخضار المشوية والدجاج المتحمّر على نار الكشافة…
فصار المكان عرسًا من النكهات.

اقترب القائد سامر وهو يشم الهواء:
“من أين تأتي هذه الروائح؟ يبدو أن المنافسة اشتعلت!”

بدأ التقييم.
تذوّق القائد حساء المرشدات أولًا، فملأ طبقًا صغيرًا منه وتذوّقه ببطء، ثم قال بإعجاب:
“الحساء متوازن… الخضار طريت بنار هادئة، وتتبيلة الأعشاب فكرة ممتازة.”

ثم وقف أمام الشواية. أخذ قطعة من البطاطا المشوية، تلتها قطعة دجاج، وأغمض عينيه لثوانٍ:
“هشّ من الخارج وطري من الداخل… أنتم لم تطبخوا فحسب، أنتم ابتكرتم.”

وقبل إعلان النتيجة، وقف القائد في مكان مرتفع قليلًا وقال بصوت يسمعه الجميع:
“في هذه المسابقة… الفوز لا يُقاس بالطعم فقط. يُقاس بالروح، وبالعمل الجماعي، وبالاستفادة من الطبيعة دون إيذائها. واليوم… كلا الفريقين فاز!”

انفجرت أصوات الفرح، وتصاعدت ضحكات الشباب والفتيات، واجتمع الجميع حول مائدة بسيطة وضعوها من جذوع الأشجار. تبادلوا أطباقهم، وتشاركوا قصص اللحظات الطريفة التي حدثت أثناء الإعداد، بينما الشمس كانت تغيب خلف الجبل ببطء، ملوّنة السماء بدرجات البنفسجي والبرتقالي.

كانت تلك الليلة واحدة من تلك الذكريات التي لا تُنسى…
مسابقة طبخ تحوّلت إلى درسٍ في الحياة، والطبيعة، والصداقة.

محمد نابلسي.

عن صفحة الفن لغة العالم

شارك المقال