الحلقة الثانية من حوار وطني وسياسي مع محمد سعيد
الحلقة الثانية من حوار وطني وسياسي مع الاستاذ محمد سعيد
تلك هى فكرة الحوار الوطني فى قصة قصيرة
الانسان الاعلى تحمل روح نيتشه دون ذكره مباشرة،
وتُسقَط على الواقع المصري دون شعارات.
الرجل الذي سأل بصوتٍ منخفض
بقلم: محمد سعيد
في المدينة التي تشبه كل المدن،
لم يكن يُطلب من الناس أن يفكروا،
بل أن يطمئنوا.
كانت اللافتات كثيرة،
والكلام أكثر،
لكن الأسئلة نادرة…
ومريبة.
في أحد الأزقة الجانبية،
كان يعيش شاب عادي،
لا يختلف عن غيره في الملامح،
ولا في الحلم البسيط:
أن يعيش بسلام.
لكنه كان يفعل شيئًا واحدًا مختلفًا:
كان يسأل.
لا يسأل بصوت عالٍ،
ولا في الميادين،
بل بينه وبين نفسه أولًا،
ثم مع من يثق فيهم.
سأل:
لماذا نكرر ما لا نفهمه؟
ولماذا نخاف من الخطأ أكثر من خوفنا من الكذب؟
المدرسة التي علّمته الإجابة لا السؤال
في المدرسة،
كان المعلم يحب التلميذ الهادئ
الذي يحفظ جيدًا
ولا يرفع يده كثيرًا.
حين سأل الشاب يومًا:
«لماذا هذه هي الإجابة الصحيحة؟»
ابتسم المعلم ابتسامة قصيرة
وقال:
«مش وقته تفكير… احفظ وخلاص».
ومنذ ذلك اليوم،
تعلّم الشاب الدرس الحقيقي:
أن السؤال يكلّف.
الجامعة التي خافت من صوته
في الجامعة،
كبر السؤال معه،
لكن القاعة كانت أضيق.
حين قال:
«هل ما ندرسه يجهزنا للحياة فعلًا؟»
نظر إليه البعض بإعجاب صامت،
ونظر إليه البعض الآخر بخوف.
قال له أحدهم بعد المحاضرة:
«خليك ذكي… متكبرهاش».
ففهم أن الذكاء هنا
هو ألا تُظهر أنك تفكر أكثر من اللازم.
العمل… حيث يُكافأ الصمت
في عمله،
لم يُطلب منه أن يكون أفضل،
بل أن يكون مطيعًا.
حين اقترح فكرة أبسط وأوضح،
قيل له:
«إحنا ماشيين كده من زمان».
ومن يومها،
أدرك أن الجديد يُربك،
وأن السكون أسهل من الصدق.
العزلة… حين يصبح السؤال بيتًا
تدريجيًا،
قلّ الكلام،
وكثرت المسافات.
لم يكره الناس،
ولم يحتقرهم،
لكنه لم يعد قادرًا على مجاملتهم.
صار يجلس في مقهى صغير،
يجتمع حوله عدد قليل من الشباب،
لا خطيب بينهم،
ولا قائد.
كانوا يتكلمون عن أشياء بسيطة:
الخوف،
الطاعة،
الحلم،
والكذب الصغير الذي نسمّيه «مصلحة».
لم يغيّروا العالم،
لكنهم غيّروا شيئًا أخطر:
طريقة نظرهم إليه.
حين سأله أحدهم: ماذا تريد؟
سأله رجل مسن يومًا:
«عايز إيه يعني من كل ده؟»
فأجاب بهدوء:
«ولا حاجة كبيرة…
بس مش عايز أعيش بعقل غيري».
ضحك الرجل وقال:
«ده طريقه طويل».
رد الشاب:
«أطول من إني أعيش مش أنا؟»
لم يصبح بطلًا… وهذا هو المهم
لم يظهر في الأخبار،
ولم يكتبوا اسمه على الجدران،
ولم يقُد أحدًا.
لكنه أنقذ شيئًا واحدًا:
نفسه.
وحين سأله أحدهم:
«هو انت فاكر نفسك مختلف؟»
ابتسم وقال:
«لا…
أنا بس بفكر».
خاتمة
في تلك المدينة،
لم يولد إنسان خارق،
ولم يسقط نظام،
ولم تُكتب شعارات جديدة.
لكن في زاوية هادئة،
كان هناك إنسان
لم يسلم عقله للقطيع،
ولم يرفع صوته،
ولم يخن نفسه.
وربما…
كان هذا كافيًا ليبدأ كل شيء.





