هل هربت بريجيت باردو من نوفل لو شاتو بسبب الخميني؟
بريجيت باردو هربت من الامام الخميني ؟
مجلة الشراع الإلكترونية
في تشرين الأول اكتوبر / 1978
توجهت إلى بلدة “نوفل لو شاتو” احدى ضواحي العاصمة الفرنسية باريس، للقاء الامام الخميني ، الذي استضافه احد المعارضين الايرانيين لنظام الشاه في تلك القرية ، بعد اخراجه من العراق اثر تفاهم الرئيس العراقي الراحل صدام حسين مع شاه ايران .
” نوفل لو شاتو ” كان منتجعاً فرنسياً عميق الهدوء بالغ الجمال بالخضرة ومنازله الصغيرة وعصافيره المغردة ، السيارات في شوارعه الصغيرة الضيقة تكاد لا تمر إلا قليلاً.. والمقهى الوحيد الذي شاهدناه ، كان في مطل على الشارع الضيق الذي ، اقام فيه الامام ، ويفصل منزله عن مقر صلاته ،شارع بعرض اربعة امتار فيه ما يشبه العرزال بثقافتنا القروية اللبنانية ..حيث كان الامام يصلي مرتين في اليوم بحضورنا عندما كنا نتواجد في هذه القرية ،
كان الهدوء يجذب اثرياء فرنسا -ويقال ايضاً فنانيها -للسكن في هذا المنتجع و قضاء أوقات طويلة ..وحتى عندما انتقل اليها الامام الثائر لم تتغير طقوسها إلا قليلاً ، حيث صار هناك تواجد دائم لسيارة شرطة فرنسية ، وكان هذا غير معهود قبل مجىء الامام ، وكانت مهمة هذه الشرطة هي الحماية البعيدة عن لفت الانتباه ، ومنع وقوع حوادث تزعج السكان او الوافد الجديد …
التقيت بإيرانيين وعرباً من الضيوف اثناء جلوسنا في العرزال لتناول الشاي ( كباية الشاي من دون سكر، الذي كان عبارة عن قطع مكعبة يقدم منفصلاً في وعاء صغير ، ومن دون ملعقة ، حيث كنا نضع قطعة السكر في الفم ونرتشف الشاي فوقها لتحليته )
سمعت من احدهم ان الفنانة الفرنسية العالمية بريجيت باردو تقيم في هذه القرية الهادئة ، كما غيرها من الفنانين …
هذا الأمر اثار فضولي لرؤيتها ، والتقاط صورة معها لو امكن ، ولم أجروء على الجهر بهذا الفضول لأحد ، ونحن موجودون لمتابعة واحد من اهم احداث القرن العشرين ..ولكن … ولأننا نمضي وقتاً طويلاً في الحديقة الصغيرة ، في انتظار قدوم الامام للصلاة ، ولمرتين فقط في اليوم ، حيث يجمع الخميني في صلاته كما معظم المسلمين ( وهو على سفر ) بين صلاتي الظهر والعصر ، ثم صلاتي الغروب والعشاء ، وحيث كان المناخ في ضاحية باريس في اجمل ايامه ، وحيث سمعت بوجود بريجيت ، واخيراً حيث المشي من هواياتي منذ ما قبل الميلاد حتى الآن ، فقد سبقت بوجودي حضور الامام في أوقاته للصلاة ، للتمشية في طبيعة ” نوفل لو شاتو ” لأوقات كانت تزيد احياناً عن الساعة ذهاباً واياباً ، قبل قبل صلاةًالجمع نهاراً ، ثم تناول وجبة الغداء مع اصحاب المكان وكلهم ايرانيون ، وضيوف عرب ثم ارتشاف الشاي ، ضمن حلقات نقاش على الارض دائماً ،مع ضيوف كانوا يتزايدون فترة بعد اخرى ( وقد قصدت هذا المنتجع للقاء الامام ومتابعة الاخبار نحو خمس مرات قبل ان اتشرف بكوني احد ركاب طائرة “الأير فرانس “التي حملت الامام الخميني في رحلة عودته من منفاه الأخير في فرنسا إلى طهران ، بعد هروب الشاه .. وكان موعد العودة هو الساعة الواحدة من فجر باريس في الاول من شهر شباط – فبراير 1979.
نعود إلى البحث عن بريجيت باردو ، حيث كانت متعة المشي في شوارع المنتجع لا تقل عن متعة ترقب رؤية ، ملكة الإثارة والجمال والإغراء لشاب في الثلاثين من عمره
عبثاً كانت المصادفة ، والوعد المأمول ، والأمل المنشود … لكن في كل زيارة كنت افاجأ بحجم الحضور الإعلامي والحزبي العربي ( من جماعات اسلامية وحركات يسارية وقومية عربية .. وهناك التقيت في الليلة الأخيرة للامام في فرنسا الأخ عقل حمية مندوباً من حركة امل ، وكان يرتدي فيلداً عسكرياً مغطياً رأسه من برد كانون الثاني الفرنسي، وبين يديه آلة تصوير صغيرة ، وتبادلنا التحية من بعيد )
مع كل زيارة لي إلى “نوفل لو شاتو” كنت أراقب كيف اصبحت هذه القرية الوديعة الهادئةتتحول إلى مهرجان سياسي إعلامي ، كان الامام الخميني يقود ثورة الشعب الإيراني بتوجيهات سياسية حاسمة وعنيدة ، محولاً مسار بلاده والمنطقة إلى توجه جديد فرض نفسه وما يزال ،يقطف فيه ثمار مظاهرات الشعب الايراني الساعي لاسقاط النظام وطرد حاكمه ، وطرد الاميركان من وطنهم ، وكانت شعارات الشعب هناك واضحة في مدلولها :
مرك بر شاه
مرك بر أميركا
اي الموت للشاه
الموت لاميركا
( اصبح الموت لإسرائيل بديلاً بعد هروب الشاه ثم سقوط نظامه في 11/2/1979)
طبعاً
مع كل زيارة لي إلى “نوفل لو شاتو “، ومتابعة المهرجان السياسي الثوري والمهرجانات الإعلامية اليومية التي كان خطيبها الوحيد ، الامام الخميني ..ماعاد في الفكر الا متابعة ما يقوله الرجل في حديقة العرزال ، وسط مئات الاعلاميين من كل اصقاع العالم ، وخصوصاً الغربي وتحديداً الاميركي ، وكان الامام يحيط نفسه بمتحدث بالفرنسية هو صادق قطب زاده الذي كان معارضاً لنظام بلاده ،مقيماً باريس ، وابراهيم يزدي متحدثاً بالإنجليزية ، وهو كان معارضا للشاه قادما من أميركا ..
( لقد كتبت سابقاً، وسأكتب بإذن الله، عما جرى وما سمعت في “النوفل “خلال هذه الزيارات )
واذكر في غمرة الاهتمام العربي السياسي القومي والإسلامي ، حضور القيادي الكبير في الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في المغرب محمد اليازغي ، إلى هذا المنتجع لإظهار التأييد للامام في ثورته ضد الشاه حليف الملك الحسن الثاني ، الخصم الاساس للاتحاد الاشتراكي المعارض
في المقهى الريفي الذي راح يضج بالزبائن ومعظمهم من الاعلاميين ، التقيت البازعي وكان شخصاً يضج بالحيوية ، تبادلت معه الحديث حول كأس شاي ، وانسحب الكلام بعد ما يجري في ايران ، والحدث الذي يهز العالم ، وسيكون له أثر كبير على بلادنا في المشرق والمغرب ، إلى سؤال لا علاقة له بما يجري من طهران إلى باريس سائلاً اياه : سي محمد ، هل سمعت بوجود بريجيت باردو في هذه القرية ؟
ترك سي محمد كأس الشاي من يده بسرعة على الطاولة الصغيرة بيننا ، ليقول لي مندهشاً:”يا اخي ، لو كانت بريجيت باردو هنا كما سمعت ، هل كانت لتبقى لحظة بعد هذا المهرجان الذي يتابعه العالم ؟ اكيد كانت ستهرب …( يضحك اليازغي متابعاً ) اكيد هربت .
كان هذا الكلام في نهاية 1978 , واليوم نحن في نهاية 2025, وقد رحلت بريجيت باردو قبل يومين ، وما كان لي نصيب برؤيتها ،إلا عبر الشاشات الكبيرة التي كنا نهوى متابعة افلامها !!




