ليون سيوفي: صراع الشرق الأوسط يتجاوز المذهبية للنفوذ
الشرق الأوسط على حافةِ الانفجار… هل نحن أمام حربٍ عالميّةٍ ثالثة أم أمام انهيارٍ داخليٍّ لا ينتهي؟
كتب د. ليون سيوفي باحث وكاتب سياسي
الشرق الأوسط على حافةِ الانفجار… هل نحن أمام حربٍ عالميّةٍ ثالثة أم أمام انهيارٍ داخليٍّ لا ينتهي؟
كتب د. ليون سيوفي باحث وكاتب سياسي
لم يعد ما يجري في الشرق الأوسط مجرّد سلسلة نزاعاتٍ متفرّقة، بل تحوّل إلى مشهدٍ مركّبٍ يُنذِرُ بإعادة تشكيل العالم بأسره. المنطقة التي كانت تاريخيًا نقطة التقاء الحضارات، أصبحت اليوم نقطة احتكاكٍ بين القوى الكبرى، وساحةً تتقاطع فيها مشاريع النفوذ، وتُختبر فيها حدود الصبر الدولي.
الحديث عن “حروبٍ سنّيةٍ شيعية” بات توصيفًا ناقصًا، بل مضلِّلًا في كثير من الأحيان. نعم، هناك انقسامٌ مذهبيٌّ يُستَخدم، لكنّه ليس جوهر الصراع، بل أداته. الحقيقة الأعمق أنّ ما يجري هو صراعٌ على النفوذ، على الجغرافيا، على الطاقة، وعلى من يملك القرار في هذه المنطقة الحسّاسة من العالم. المذهب هنا يتحوّل إلى وقود، لكنّ المحرّك هو السياسة.
إيران تتمدّد حيث تستطيع لتثبيت حضورها الإقليمي، وتركيا تبحث عن دورٍ يتجاوز حدودها، وإسرائيل تُعيد رسم معادلات الردع بما يضمن تفوّقها، فيما تحاول الدول العربية حماية استقرارها في بيئةٍ تتآكل فيها التوازنات. وفي الخلفية، تقف القوى الكبرى، لا كمتفرّجٍ محايد، بل كمديرٍ غير مباشرٍ للصراع، يضبط إيقاعه دون أن يطفئه.
هذا التشابك المعقّد يطرح السؤال الأخطر: هل نحن أمام شرارة حربٍ عالميّة؟
الجواب لا يزال في المنطقة الرمادية. فالعالم اليوم لا يشبه ما كان عليه قبل الحروب الكبرى السابقة. هناك إدراكٌ عميق بأنّ أي مواجهة مباشرة بين القوى الكبرى ستكون مدمّرة للجميع، ولذلك يُفضَّل إبقاء الصراع ضمن حدودٍ محسوبة. الضربات تُنفَّذ، الرسائل تُرسل، التوتر يتصاعد، لكنّ الانفجار الشامل يُؤجَّل.
غير أنّ ما يُؤجَّل خارجيًا، يُستنزَف داخليًا. وهنا يكمن الخطر الحقيقي. فبدل حربٍ عالميةٍ واحدة، نحن أمام احتمال أخطر: حروبٌ مفتوحةٌ بلا نهاية داخل المنطقة نفسها. نزاعاتٌ تتجدّد، تهدأ، ثم تعود بأشكالٍ مختلفة، دون حلولٍ جذريّة، ودون أفقٍ واضحٍ للخروج منها.
في هذا السياق، يتحوّل الانقسام المذهبي من اختلافٍ فكريّ إلى أداة تعبئةٍ دائمة. ومع كل جولة صراع، تتعمّق الهوّة، ويتراكم الحقد، وتتشوّه صورة الآخر في الوعي الجماعي. الأخطر من السلاح، هو ما يُزرع في العقول، لأنّه يبقى بعد أن تصمت المدافع.
ومع ذلك، لا يمكن القول إنّ المصير محتوم. فالتاريخ يُظهر أنّ المناطق التي تصل إلى حافة الانفجار، قد تنتج أيضًا لحظات تسوية. هناك مؤشرات، ولو خجولة، على محاولات تهدئة، وعلى إدراكٍ متزايد بأنّ الاستنزاف لم يعد يخدم أحدًا. لكن هذه المحاولات تبقى هشّة، لأنها تصطدم بتشابك المصالح، وبانعدام الثقة المتراكم.
الشرق الأوسط اليوم يقف أمام مفترقٍ حاسم:
إمّا أن يبقى ساحةً تُدار فيها الحروب بالوكالة، ويُعاد فيها إنتاج الصراعات تحت عناوين مختلفة، فيتحوّل إلى منطقة استنزافٍ دائم،
وإمّا أن يبدأ تدريجيًا في الانتقال إلى مرحلة توازنٍ بارد، لا يُنهي النزاعات، لكنه يمنع انفجارها.
ما سيحسم هذا المسار ليس فقط قرار العواصم الكبرى، بل أيضًا قدرة شعوب المنطقة على كسر دوّامة الكراهية، ورفض تحويل الاختلاف إلى اقتتال. لأنّ أخطر ما في الحروب ليس بدايتها، بل تحوّلها إلى حالةٍ طبيعيّة.
في النهاية، قد لا يكون السؤال: هل ستندلع حربٌ عالميّة؟
بل السؤال الأخطر: هل أصبحنا نعيش فعلًا في حربٍ لا نُدرك أنّها بدأت؟





