د. باسم عساف يكتب: صراع الوجود وانحراف بوصلة المقاومة
كتب الباحث والمحلل السياسي د. باسم عساف مقالته لجريدة وموقع البستان الإلكتروني :
يا حيفا ، وما بعد حيفا … على المقاومة …
إن ما يدور على الأرض العربية ، وخاصةً على أرض فلسطين السليبة ، منذ أكثر من مائة عام ، وكما عُرفت بالقضية الفلسطينية المركزية للعرب والمسلمين ، لأن أهداف الإحتلال والإستيطان ، غايته تلمودية صهيونية تعتمد على الغرائز والإنحرافات الدينية ، المفبركة بإدعاءات شعب الله المختار ، وقيام مملكة يهوذا من جديد ، وبناء هيكل سليمان العتيد ، وهي تمثل الخرافات التاريخية ، التي يريدون قيام دولتهم الافتراضية ، على قواعد وهمية ، تتجلى بمن يريد أن يستبد بالعالم ، ويحكم على هواه بجنون العظمة ، وفنون الغاية التي تبرر وسائلهم ، في إمتلاك السلطة والمال … إذن يتوضح للرأي العام ، أن الصراع في المنطقة ليس صراعاً بين دولتين ، وإحتلالٌ من واحدةٍ لأخرى ، إنما هو صراعُ وجود ، وليس صِراع حدود ، والكلُّ يعلم أن الكيان الوحيد في العالم ، الذي لم يُرسم له حدود ، رغم تكريس مسرحيَّة الإعتراف به بالأمم المتحدة ، مع تقسيم فلسطين حينها ، وعدم الإعتراف بها كدولة ، حيث الغاية المضمرة لديهم ، إحتلالها كُلَّها مع باقي الأراضي العربية المحيطة ، التي أفصِحَ عنها مؤخراً ، لقيام إسرائيل الكبرى ، ضمن مؤامرةٍ دوليَّةٍ ، قد خطَّطت لها الصهيونيَّة العالمية ، منذ نشوئها المشؤوم على الكرة الأرضية… إن إحقاقَ الحقِّ أمام باطل الإحتلال والإستغلال ، يلزمُه مواجهةٌ ومقاومَةٌ ، خاصةً مع إغتِصاب الأرض والعَرض ، وبالتالي هو أمرٌ وجوديٌ ، وغير إحتماليٍّ للبحث في فلسَفة الوجود ، لأنه يدخل في بحث إلغاء الآخرين ، حتى يتكرَّس بقاءُ المتآمرين ، لذا باتت المقاومة فرضُ عينٍ على كل من إستطاعَ إليها سبيلا ، وبات تحرير الأرض والعرض ، هو السبيل إلى إعادة الحَقِّ إلى نصابه ، دون قيدٍ أو شرطٍ ، ومعنيٌّ بذلك كل من يدخل في غاية الصهيونية العالمية ، وكل من يكون هدفاً لقيام الوطن القومي اليهودي على الأرض العربية … إن ما يجري على الساحة العربية والإسلامية ، التي هي معنيَّةٌ بكل التحركات الصهيونية ، منذ القرن الماضي وبدء التآمر عليها ، فقد تلوثت القضية المركزية بأوزار الخيانة ، وتكالُب اللاهثين إلى السلطة والمال ، فأمعَنوا بالتآلب على شعوبهم ، وباتوا أداةً طيِّعةً ، في أيدي المتآمرين الغاصِبين ، وباتوا يُسلِّمونهم الأرضَ تباعاً بحُجج واهية عن المقاومة ، وعن الحروب الخيانية ، التي أفضت إلى التنازلات ، والبيع في سوق النخاسة العربية ، التي كرَّست قاعدةً وهميَّةً : (الأرض مقابل السلام) وكأن هذه الأرض ملكية خاصة ، معروضةٌ للبيع الخِياني ، أو للإستهلاك السُّلطوي ، حتى وصلت بهم الحَال ، إلى التطبيع الكامِل وبئس المآل … إن المقاومة التي إنطلقت بروحٍ إيمانيَّةٍ للدفاع عن الأرض والعرض ، مع بداية الإحتلال والإستيطان ، وإجراء مجازر العصابات الصهيونية ، إلى مواجهة تقسيم فلسطين والحروب التابعة لها ، التي أنتجت شعارات : (المقاومة وُجدت لتبقى) ، وأيضاً : (لا تفاوض) ، (لا إعتراف) ، (لا صلح) ، كانت تخطُّ الطريق الصَّحيح ، في مسارها الذي يؤدي إلى التحرير ، وعلى الأقل وضع الكيان في قبضة الكماشة العربية الموحَّدة ، وفرض الشروط التي تتناسب وحق الشعب الفلسطيني ، بتقرير مصيره ومصير أرضه … بالفعل قد قيل : (ما دخلت السياسة أمراً إلا أفسدته) ، وها أن المقاومة بدءاً من تحرير فلسطين ، إلى لبنان إلى سوريا إلى العراق ، وكل البلاد العربية ، فقد سارت المقاومة في الخطِّ السياسي ، الذي يتبع مسار كل نظام ، أو أنها متشاكسة مع الأنظمة ، أومتعاكسة في المسار والمصير ، إلى أن بقيت رهينة الصفقات والإتفاقات العلنية والسرِّية ، وتتقاذفها رياح الموالاة والمُعارضة ، وتتقاسَمُها المُحاصَصات التي دخلت عالم السُّلطة والمال ، وسارت بركب التطبيع ، الموصول بالسلام المزعوم للكيان الصهيوني … هذا المشهد العربي المُتخاذل ، الذي يُدمي القلوب النَّقية ، المؤمِنة بتحرير الأرض والعرض ، ينعكس تماماً على المقاومة في لبنان ، التي إنتهجت مسار الأنظمة ، حيث غاصَت أيضاً في وحول الإتفاقات العلنية والسرية ، وباتت رهينةَ السياسات ، التي تواكِبُ الشرق الأوسط الجديد ، وتطبيق خارطة الطريق ، المبنيٌَة على تقسيم المنطقة ، إلى دويلات وكانتونات طائفية ومذهبية ، تتنافس مع الكيان الصهيوني التلمودي ، لأيِّ شعبٍ هو المختار لحكم هذه المنطقة ، والهيمنة على مقدَّراتها ، والتاريخ شاهدٌ على صراعاتها … ما هو معلومٌ لدى الجميع ، بأنَّ القِطار قد إنحرف عن الخطِّ المتوازي مع المقاومة لتحرير الأرض والعرض ، وباتت المقاومة تتشابه مع الحرب الإلكترونية ، التي تعتمد على فقسات الأزرار ، وتكون الحرب الضروس ، بفقسة زرٍّ لتنتِج الدَّمار الشّامل ، وفق أهواءِ الموجِّهين من أصحاب القرار ، كما المقاومة ، التي سلَّمت أمرَها لأولياء هذا القرار ، فخرجت من صفِّ الأحرار ، لتكون تحت عباءآت الأشرار ، ومن يقود الجيش الجرَّار ، الذي قاده إلى العراق والشام ولبنان بالنار ، ليس لتحرير القدس ، إنما للقضاء على الثوار ، حيث كُنَّا نحلَم بقصف الصواريخ على حيفا بالنهار ، ونطرَب لسماع ما بعد بعد حيفا مع التِكرار ، إلى أن ذهَب الثَلج ، وبان المَرج بالدَّمار ، وبتنا نُردِّد :
يا حَيفا ، وما بعدَ حَيفا على المُقَاومَة ..






