د. رباب وهبي: معركة استعادة القرار والسيادة في لبنان
نبذة عن الكاتبة
رباب يوسف وهبي
باحثة وأكاديمية لبنانية، دكتورة في التاريخ الحديث والمعاصر والعلاقات الدولية من جامعة بيروت العربية – لبنان.
أستاذة تاريخ في ملاك التعليم الرسمي الثانوي، وكاتبة في الشؤون السياسية والتاريخية وقضايا التحول في الشرق الأوسط.
نبذة عن الكاتبة
”لبنان من الساحة إلى الدولة… معركة استعادة القرار”
بقلم: د. رباب يوسف وهبي
يقف لبنان اليوم في مواجهة وجودية تفصل بين منطقين متنافرين: منطق الدولة الساعية لفرض حصرية قرارها ومؤسساتها، ومنطق الكيانات الموازية التي تغلغلت في مفاصل الكيان حتى تجاوزت قوتها أحياناً هيكل السلطة الرسمي. هذه الأزمات المتلاحقة لم تأتِ من فراغ، بل كانت نتاجاً طبيعياً لبيئة سمحت لقوى الأمر الواقع بتشييد منظومات نفوذ أمنية ومالية، رأت في غياب الدولة شرطاً حيوياً لضمان بقاء مصالحها.
ومع دخول وقف إطلاق النار المحدود زمنياً حيز التنفيذ، يجد البلد نفسه أمام مرحلة شائكة مليئة بالألغام، تفرض تحديات كبرى حول جدوى ما سُمي بالحرب الأخيرة. فبينما تجهر رئاسة الجمهورية، مدعومة من الحكومة وبغطاء أميركي، بالذهاب نحو مفاوضات مباشرة لكسر الجمود التاريخي في التعامل مع الجانب الإسرائيلي وصولاً إلى تفاهمات تنهي حالة النزاع، يبرز موقف “حزب الله” الرافض لهذا التوجه بشكل قاطع. هذا الانقسام الحاد يمهد الطريق لسيناريو تصادمي في الداخل، لا سيما مع تلويح الحزب بأن تجاوز موقفه قد يجر البلاد إلى مواجهة داخلية، ما يعكس تمسكه بنهجه السياسي والميداني رغم جسامة التطورات، ورغم أن قراره الأخير بالدخول في المواجهة جاء كاستجابة لقرار مركزي من طهران تحت لواء “الثأر”، وهو ما جعل هامش المناورة اللبناني للحزب يضيق ليصبح مجرد انعكاس للتوجهات الإيرانية.
لقد انتقل مفهوم السيادة من دائرة التنظير حول حماية الحدود ليصبح مرتبطاً بقدرة السلطة المركزية على فرض هيبتها في الداخل. فالدولة التي تفتقد لقرار الحرب والسلم، وتتوزع فيها المرجعيات القانونية، تظل هيكلاً منقوصاً لا يكتمل بمجرد وجود مؤسسات صورية. وتبرز هنا إشكالية “مذكرة التفاهم” الجديدة التي تمنح إسرائيل حرية الحركة في الأجواء والأراضي اللبنانية تحت ذريعة الدفاع عن النفس، ما يعني إخفاق الحزب في انتزاع مكسبه الأساسي المتمثل بوقف الاستباحة الإسرائيلية، ليجد نفسه أمام واقع تلتزم فيه إيران بالهدنة مع واشنطن بينما يبقى لبنان ساحة مفتوحة للاستهداف. إن خطورة هذا الوضع تكمن في تحول هذا الخلل إلى قاعدة ثابتة، بحيث تُصنف أي محاولة لاسترداد سلطة القانون كأنها فعل عدائي يهدد الأمن، في حين أن غياب الدولة الفعلي هو الخطر الحقيقي والوحيد.
تضع المتغيرات الإقليمية الكبرى لبنان اليوم أمام مفترق طرق حاسم، حيث تدفع واشنطن والمجتمع الدولي باتجاه تسويات تتخطى فكرة الهدنة لتصل إلى “معاهدات سلام”. وهو مسار تسعى الدولة اللبنانية لإدارته تحت مظلة “المبادرة العربية للسلام” وبدعم سعودي وعربي صريح يهدف إلى منع الانزلاق نحو الفتنة. لكن هذه الفرصة تبقى مرهونة بالإرادة الوطنية الصرفة، فالخارج قد يمهد السبل لكنه لن ينوب عن اللبنانيين في بناء وطنهم، خاصة في ظل انقسام أهلي وسياسي حاد، جعل التساؤل الشعبي يتزايد حول النتائج الفعلية التي حصدها حزب الله من الحرب، ومدى جاهزيته للتحول إلى كيان سياسي بحت تحت وطأة الواقع الإقليمي الجديد.
إن هذه الهشاشة السياسية فرضت أثماناً باهظة دفعها اللبنانيون من واقعهم المعيشي والاقتصادي، وأثبتت أن الدولة الضعيفة لا تضيع سيادتها فحسب، بل تصبح عاجزة عن حماية أمن مواطنيها الاقتصادي ومستقبل أبنائهم. فالسيادة والازدهار مساران متلازمان، إذ لا يمكن بناء اقتصاد معافى في ظل تشتت القرار السياسي وتكبيل القضاء وتغييب المؤسسات.
إن استرداد الدولة اللبنانية يتجاوز كونه إجراءً إدارياً ليصبح رحلة شاقة لاستعادة الثقة المفقودة بين المواطن والمؤسسة، وصد أي محاولات لفرض الانقلاب أو استخدام الشارع لتعطيل الحياة العامة كما حدث في محطات سابقة مثل 7 أيار. لبنان اليوم في لحظة تقرير مصير: إما الاستمرار ككيان مرتهن لتسويات إقليمية مؤقتة، أو العبور نحو دولة مستقرة وقادرة. وهذه النتيجة لا تتحقق بالشعارات، بل بالقدرة على تحويل الدولة من فكرة مؤجلة إلى واقع ملموس، يسود فيه القانون وحده، وتكون الشرعية الواحدة هي الحصن الذي يحتمي به الجميع.






