زوطر الشرقية كما لم يرها أهلها.. 90 غارة وصور أقمار
📰 زَوْطَر الشرقيّة… كما لم يرَها أهلُها!
🗞️ فراس خليفة – الأخبار
منذ بداية العدوان الإسرائيلي في 2 آذار الماضي، تعرَّضت زوطر الشرقيّة (قضاء النبطية) وحدَها لأكثر من 90 غارة جوية على مساحة جغرافية لا تتجاوز 5 كيلومترات مربّعة. وخلال الأيام الماضية، تكرَّر إسم زوطر الشرقيَّة في بيانات المقاومة التي استهدفت بمحلّقاتها الإنقضاضيَّة آليات وجنود الاحتلال. مجموعة «الأحداث الأمنية الصعبة» المتلاحقة في زوطر ويُحمر ومحيط قلعة الشقيف، ليست منفصلة البتَّة عن سياق تاريخي شكَّلت فيه البلدة وخط القرى المحيطة بها هاجساً أمنياً للعدو، نظراً إلى موقعها الجغرافي الاستراتيجي، كما كانت دائماً نقطة ارتكاز أساسية للمقاومة. في ما يأتي، شهادات لأهالٍ من زوطر اختبروا، للمرة الأولى، شعور مشاهدة صورة بلدتهم «مِن فَوْق»، وتغيّر معالمها، عبر تحديثات صُوَر الأقمار الاصطناعية أو من خلال فيديوهات «الإعلام الحربي»
لم يتخيّل أهالي زوطر الشرقية الذين استضافوا خلال السنوات الثلاث الماضية نازحين من أبناء القرى الحدودية أن تصبح بلدتهم على صورة تلك القرى لناحية مشهدية الدمار الواسع. أخيراً، بادر ناشطون من أبناء البلدة إلى دعوة مَن يستطيع سبيلاً من الأهالي للمساهمة في تأمين الكلفة المالية المطلوبة للحصول على صور الأقمار الاصطناعية للقرية، وأنشأوا مجموعة خاصة لنشرها بشكل شبه يومي.
هكذا تحوّلت علاقة هؤلاء مع بيوتهم إلى علاقة بصرية، إذ باتت القرية «تُرى أكثر مما تُعاش»، على ما يقول مصطفى عمّار، أحد أبناء زوطر. في كثير من الأحيان تظهر دبابات وآليات إسرائيلية قريبة من البيوت أو على التلال المحيطة. «هنا يصبح المشهد ثقيلاً وملتبساً: الناس يريدون بقاء بيوتهم، لكنهم لا يريدون أن يروها مُحاطة بالخوف أو واقعة تحت مراقبة دائمة»، لافتاً إلى «أنّ البيت الذي يُفترض أن يكون مساحة أمان، يصبح جزءاً من مشهد الحرب نفسه».
برأيه، يطرح هذا التناقض الشعوري أسئلة من قبيل: ماذا يعني أن يبقى البيت قائماً إذا كانت الحياة داخله مستحيلة؟ وهل يتحوّل التعلّق بالمكان أحياناً إلى خوف من صورته الجديدة؟. وعليه، فإن الحرب لا تكتفي هنا بإعادة رسم الجغرافيا، بل تغيّر أيضاً نظرة الناس إلى بيوتهم. صارت قرى الجنوب تُراقَب من الأعلى وتُستعاد بالصورة، فيما يعيش أهلها بين رغبتين متناقضتين: أن يبقى كل شيء كما هو، وأن ينتهي في الوقت نفسه هذا المشهد الذي «يجعل البيت قريباً جداً وبعيداً جداً معاً»، يقول عمّار.
«أبابيل» فوق «حارة الخزّان»
لم يتصوّر علي جابر يوماً أن يأتي يوم يرى فيه دبابات وآليات إسرائيلية متمركزة تحت شرفة بيته في «حارة الخزّان» في زوطر الشرقية. يقف الشاب الثلاثيني أمام مشهد قلب معادلة حياته، إذ تحوّل منزله إلى «درع حماية لمحتلّ وحشي وجبان من استهدافات المقاومة». في المرّة الأولى التي شاهد فيها بيته عبر صور الأقمار الاصطناعية، تمنّى جابر لو أنّه رآه مُدمّراً بغارة، لا أن يراه على هذه الحال.
لكن الفيديو الذي بثّه الإعلام الحربي للمقاومة من داخل زوطر قبل أيام أعاد إليه شيئاً من الروح. كان علي ينتظر مثل هذه المشاهد ليُعِيد اكتشاف الأمكنة التي ألِفَها وحفظ تفاصيلها ويدقّق فيها مرَّة بعد أخرى. في «الرحلة» الأولى لـ«أبابيل»، كان يظهر حجم الدمار والتخريب الذي خلَّفه الاحتلال.
أُتيح له أن يرى قريته من الأعلى كما لم يرَها من قبل. البداية من قرب «مقهى أبو حيدر» عند مدخل زوطر من جهة ميفدون، مروراً بالطريق العام باتجاه منطقة «البركة» في وسط البلدة، وصولاً إلى تخوم زوطر الغربية، ثم الانعطاف يساراً نحو «حارة الخزّان» في الجهة الشرقية من البلدة، حيث يتموضع جيش العدو بشكل رئيسي.
تحوّلت علاقة الجنوبيين مع بيوتهم إلى علاقة بصرية فباتت القرى «تُرى» أكثر مما تُعاش
كان قلب علي يخفق كلما اقتربت المحلّقة من تلك النقطة بالذات قرب شجرَتَي السنديان المعمِّرتَيْن، حيث ارتطمت بالآلية الجاثمة أمام بيته. لاحقاً تتالت فيديوهات «أبابيل» من زوطر الشرقية وكان من بينها فيديو المحلقات الأربع التي دارت أحداثه في الحارة ذاتها قرب بيته ومنازل أهله وأقربائه. منذ نحو سبع سنوات، وضع الشاب الجنوبي الحجرَ الأساسَ لمنزلٍ كان يحلم أن يفاخر به أمام عائلته ورفاقه.
يقول: «كنت أبحث عن أخطاء الجميع في هندسة وتصميم البيوت، وأعمل على إيجاد حلول لتخطّيها». في «مشروع حياتي الأهم»، رسم خريطة البيت بنفسه بأدقّ تفاصيلها بعد استشارات مع ذوي الاختصاص، بل صمّم حجراً خاصاً به بمساعدة صديق يملك معملاً لتصنيع الأحجار، وكان شريكاً في كل مراحل البناء، من صبّ الأساسات إلى نقل الحجارة، موثّقاً ذلك خطوة خطوة، «كطفل صغير يبني لعبته بيديه».
الحرب الأولى (2024)، الظروف الاقتصادية الصعبة، لم تُثنه عن مواصلة الحلم.
🧾 LaBamba News





