جنوبيون يروون دمار زوطر: “البيت مطحون والدبابات على جسدي”
ما قبل «الجولة الأخيرة» من الحرب،
كان علي يقصد بيته بشكل شبه يومي، ينظّفه ويكنسه ويعيد ترتيب تفاصيله «كأنني أعيش فيه، رغم أنه ما زال «على العضم». كنت أجول في أرجائه متخيّلاً أين سأضع الصوبيا، وكيف سأقسّم المساحات بين مكتب وغرفة، وأين سأضع عفشي وطفشي».
اختار علي جابر أن يكون منزله بين شجرتَي سنديان معمّرتين زرعهما جدّه قبل أكثر من ستين عاماً، ليكسب البيت طابعاً قروياً «مرتبطاً بالأرض كالسنديان الذي لا يُنقل من مكانه، وإن نُقل يموت». في الأيام الأخيرة، كان في داخله شعوران متناقضان: حزن وغضب أمام مشهد دبابات الاحتلال في قريته وأمام بيته، وفي المقابل إحساس عميق بالانتماء إلى الأرض. يقول: «أنتمي إلى الجنوب، إلى خرير مياه النهر وحفيف أوراق الدلب على ضفّتيه، إلى صوت الطباسين صباحاً في أوديته، وإلى نقّار الخشب الذي عاد إلى حرج النهر».
«لا شيءَ يعود كما كان»
منزل محمد سليمان، الواقع عند كتف النهر مقابل «وادي راج»، ليس استثناءً من بين بيوت زوطر. «كان بيتاً دافئاً ومتواضعاً مثلنا وتعبنا فيه». تباعاً كان محمد يراقب الصور الجوية لزوطر. في المرّة الأولى «كان بعدو البيت مبيّن بالصورة، فرِحنا. في المرة الثانية أيضاً. وفي الثالثة كان لا يزال في مكانه». وكان يقول ممازحاً إن الإسرائيلي «لن يدمّر بيتي لأن آرائي السياسية لا تتوافق مع فكرة حروب الإسناد». لاحقاً، عندما بدأ العدو يقترب من مجرى النهر مقابل زوطر، صار تدمير البيت احتمالاً جدّياً لأنه «كاشِف».
في المرة الرابعة، كان وقع الصورة مختلفاً وقاسياً عليه وعلى زوجته، حين شاهدا البيت «مطحوناً» بفعل الغارة. مع البيت ذهبت كل التفاصيل، «من أتفه شغلة لأكبر شغلة»: فناجين زوجته ومكتبتها، الجدار الذي كان يقيس عليه طول ابنته إميلي مذْ كانت صغيرة، أغراضها وألعابها، و«فيلو»، الفيل البنفسجي الكبير، «الحراتيق» الصغيرة التي كان يحتفظ بها، بزّة «الصليب الأحمر»، وصندوق يضمّ مقتنيات من بدايات تعارفه بزوجته وأشياء أخرى.
بقدر ما كانت خسارة البيت موجعة، فإن خسارة ضيعة بكاملها كانت أشدّ وقعاً. في إحدى الصور التي «سُحبت» للقرية لاحقاً، ظهر مشهد بالغ القسوة: ثلاث دبابات وناقلة جند إسرائيلية قرب منزله ومنزل أهله «اللي طار نصّه من عصف بيتي». يختم بأن «لا شيء يعود كما كان. لا البيت ولا تفاصيله، ولا حتى زوطر التي ستتغيّر كلياً».
مشهد غير مسبوق… لكن سنحرِّرها
لا ينظر كامل زين الدين إلى الصور الواردة لبلدته من خارج دائرة اهتماماته في مجالَي البيئة والتاريخ، فضلاً عن كونه ابن المكان الذي وُلد وعاش فيه لسنوات طويلة. فزوطر التي تعرّضت في مراحل مختلفة للاعتداءات الإسرائيلية والقصف المدفعي شبه الدائم أيام ما كان يُعرف بـ«الشريط الحدودي»، تشهد اليوم، كما معظم القرى الجنوبية، الفصل التدميري الأقسى في تاريخها، والذي أدّى، وفق تحليل أولي لصور الأقمار الاصطناعية، إلى تدمير قرابة 230 مبنى سكنياً.
برأي زين الدين (74 عاماً)، فإن «مشهد الاحتلال بآلته العسكرية الجاثمة فوق أرضنا يفجّر فينا الألم والغضب، وهو المشهد الأول الذي تراه عيناي ولو عن بُعد». الرجل الذي تربطه بزوطر «علاقة عشق لا تنتهي، كما بأهلها وسهلها ووردها وطيرها ونهرها الذي هو بالنسبة إلينا علّة وجود البلدة»، يخشى من آثار القصف الإسرائيلي بالأسلحة المُحرّمة دولياً على البيئة والتنوع البيولوجي في قريته على المدى الطويل.
من جانبه، لا يتقبّل علي إسماعيل صورة الدبابات الإسرائيلية التي مرّت من أمام بيته القريب من «المجمّع الثقافي» في وسط البلدة، حيث دارت مواجهات هناك أيضاً. «قاهرني كتير هالموضوع، حسّيت الدبابات كأنها مارقة على جسدي، وتمنّيت للحظة لو إني عبوة ناسفة بطريقها». يألم إسماعيل، وهو ابن عائلة لها سيرة معروفة في المقاومة والنضال، لمشهد قريته وهو مقيم الآن خارجها، لكنه يستدرك: «ليست نهاية المطاف على أيّ حال، ونحن لسنا انهزاميين. دخل العدو القرية لكن غير مسموح له أن يبقى، وهذا ما تؤكّده مشاهد عمليات المقاومة».
علي، الذي حين كان طفلاً خبّأ السلاح للمقاومين، وشارك لاحقاً في تحرّكات واعتصامات عديدة لأجل قضية الجنوب وفلسطين، كان أبرزها وقفة تحرير أرنون عام 1999، يعرف جيداً أن طبيعة الحروب وتكتيكاتها تغيّرت اليوم. لكنه مع ذلك يثق بالمقاومين «الذين سيفعلون كل ما بوسعهم لإذلال الاحتلال مجدّداً».
🧾 LaBamba News





