كيف نقيس مستوى جودة سوق الفن؟

كيف نقيس مستوى جودة سوق الفن؟

د. عصام عسيري

لا تُقاس صحة سوق الفن بكثرة المعارض، ولا بازدحام حفلات الافتتاح، ولا بعدد الصور المتداولة في وسائل التواصل الاجتماعي. فهذه جميعها مؤشرات للنشاط، لكنها ليست بالضرورة مؤشرات للقوة. أما السوق الحقيقي، فيُقاس بقدرته على إنتاج قيمة فنية وثقافية واقتصادية مستدامة، تتكامل فيها أدوار الفنان، وصالة العرض، والمقتني، والناقد، والجمهور، والمؤسسات.

وحين يختل أحد هذه العناصر أو الأطراف، تبدأ أعراض الضعف في الظهور، حتى وإن بدا المشهد من الخارج مزدهراً. فالسوق الفنية، مثل أي منظومة اقتصادية وثقافية، تمتلك مؤشرات يمكن من خلالها قراءة صحتها أو تشخيص أزماتها، يقترح المقال مؤشرات قياس جودة سوق الفن متعددة الأبعاد.

١. تبدأ أولى العلامات من الفنان نفسه. فعندما يصبح إنتاج الأعمال غاية في ذاته، ويتراجع البحث والتجريب لصالح تكرار الأسلوب الذي يحقق المبيعات، يفقد الفنان تدريجياً مشروعه الإبداعي. كما أن غياب الهوية البصرية، والانشغال بصناعة الشهرة أكثر من صناعة القيمة، والتسعير العشوائي للأعمال، كلها مؤشرات على سوق لا يكافئ الجودة بقدر ما يكافئ الضجيج.

وهنا علامات ومؤشرات ضعف الفنانين:
الاعتماد على الإنتاج الكمي بدلاً من الجودة.
تقليد الاتجاهات الرائجة بدلاً من بناء مشروع فني.
غياب الهوية والأسلوب الشخصي.
التسعير العشوائي للأعمال.
ضعف المعرفة بتاريخ الفن والنقد.
البحث عن الشهرة أكثر من بناء السمعة.
كثرة المعارض وقلة الاقتناء الحقيقي.
شراء الفنانين لأعمال بعضهم لخلق انطباع زائف بنشاط السوق.
الاعتماد على الجوائز ووسائل التواصل بدلاً من القيمة الفنية.

٢. أما صالات العرض، فإنها تمثل مرآة السوق. فالقاليري الذي يقبل أي عمل مقابل رسوم عرض، أو يتحول إلى مؤجر للجدران، يتخلى عن أهم أدواره بوصفه مؤسسة تصنع الفنان وتبني سمعته وتدافع عن مشروعه الفني. وفي الأسواق الناضجة تستثمر صالات العرض في الفنان لسنوات، بينما في الأسواق الضعيفة الفاقدة لاستراتيجية وسياسة معرضية يُترك الفنان وحيداً في مواجهة السوق، ويتحول المعرض إلى مناسبة عابرة لا تترك أثراً.

وهنا علامات ومؤشرات ضعف صالات العرض:
تحول القاليري إلى مؤجر جدران.
قبول أي فنان مقابل رسوم.
غياب المعايير الفنية ولجان الاختيار والسياسة والاستراتيجية المعرضية.
عدم الاستثمار في الفنانين على المدى الطويل.
ضعف العلاقات مع المتاحف والمؤسسات الثقافية والإعلامية.
غياب الشفافية في المبيعات.
كثرة المعارض وقلة العملاء وضعف التسويق.
عدم إصدار كتالوجات أو توثيق احترافي.

٣. ولا يقل دور المقتني أهمية عن دور الفنان؛ فالمقتني الواعي لا يشتري عمل فني لتملأ فراغ جدار، بل يقتني فكرة وتجربة وقيمة ثقافية. أما حين تصبح قرارات الشراء رهينة الشهرة الإعلامية أو العلاقات الشخصية أو توقعات الربح السريع، فإن السوق يفقد بوصلته، وتصبح الأسعار منفصلة عن القيمة الفنية الحقيقية.

وهنا علامات ضعف المقتنين:
شراء اللوحات كديكور فقط.
الاعتماد على الشهرة الإعلامية.
غياب المعرفة بتاريخ الفنان.
الاهتمام بالسعر فقط.
المضاربة قصيرة الأجل.
شراء الأعمال دون التأكد من أصالتها.
عدم تنويع المجموعة الفنية.
غياب التواصل مع المؤسسات والمتاحف.

٤. ويبقى الجمهور الحلقة الأكثر حساسية. فالسوق التي لا تمتلك جمهوراً مثقفاً بصرياً، قادراً على الحوار والنقد والتذوق، ستظل سوقاً محدودة التأثير. فالفن لا يعيش داخل المعارض فقط، بل في المدارس والجامعات والمتاحف والكتب والصحف ووسائل الإعلام، وفي قدرة المجتمع على تحويل العمل الفني إلى جزء من ثقافته اليومية.

وهنا علامات ضعف الجمهور
ضعف زيارة المعارض.
غياب الثقافة البصرية.
اختزال الفن في الإعجاب أو عدم الإعجاب.
ضعف القراءة النقدية.
الاهتمام بالفعاليات أكثر من الأعمال.
انخفاض شراء الطبعات والكتب الفنية.
ضعف مشاركة المدارس والجامعات في الحركة الثقافية.

٥. ومن أخطر علامات ضعف السوق غياب السوق الثانوية، أي إعادة بيع الأعمال الفنية عبر المزادات أو الوسطاء المحترفين. ففي الأسواق العالمية، تستمر حياة العمل الفني بعد اقتنائه الأول، وتتشكل من خلالها مؤشرات الأسعار والثقة والشفافية. أما عندما تبقى الأعمال حبيسة البيع الأول، فإن تقييم قيمتها السوقية يصبح أقرب إلى التخمين منه إلى القياس.

وهناك علامات على تردي مستوى السوق نفسه:
غياب السوق الثانوية (إعادة البيع).
عدم وجود مؤشرات سعرية واضحة.
انعدام قواعد البيانات.
غياب الإحصاءات السنوية.
ضعف حضور الفن في البنوك والشركات.
قلة المزادات الاحترافية.
غياب المتاحف الخاصة المؤثرة.
ندرة النقاد المتخصصين.
هيمنة العلاقات الشخصية على الجودة.
تضخم الأسعار دون مبيعات حقيقية.
كثرة الفنانين مقابل قلة المقتنين.
كما أن غياب البيانات والإحصاءات يمثل مؤشراً آخر لا يقل خطورة. فالسوق التي لا تعرف حجم مبيعاتها، ولا عدد مقتنيها، ولا حركة أسعارها، ولا اتجاهات الطلب فيها، تعجز عن التخطيط لمستقبلها. فالإدارة الحديثة تبدأ بالأرقام، بينما تبقى الانطباعات الشخصية قاصرة عن بناء صناعة ثقافية مستدامة.
محدودية الاقتناء المؤسسي من الشركات والبنوك والجهات الحكومية والمحافظ الاستثمارية. فكل ذلك يشير إلى أن النشاط أكبر من السوق، وأن الحركة أكثر من القيمة.

٦. وفي المقابل، فإن السوق الصحية لا تُقاس بارتفاع الأسعار وحده، بل باستقرارها. ولا بعدد الفنانين، بل بقدرتهم على الاستمرار. ولا بكثرة المعارض، بل بجودة ما تنتجه من أثر ثقافي واقتصادي. وهي السوق التي تمتلك جمهوراً واعياً، ومقتنين مثقفين، وصالات عرض محترفة، ونقاداً مستقلين، ومؤسسات تحفظ الذاكرة البصرية وتوثقها.

وهنا مؤشرات السوق الصحي:
ارتفاع نسبة الاقتناء المؤسسي.
وجود سوق ثانوية نشطة.
استقرار الأسعار ونموها طبيعياً.
نمو عدد المقتنين الجدد.
وجود نقد فني محترف.
صالات عرض تستثمر في الفنان.
حضور دولي للفنانين.
شفافية بيانات المزادات.
نمو النشر والبحث الأكاديمي.
تعاون بين المتاحف والجامعات والقطاع الخاص ومحافظ الاستثمار.

إن ازدهار سوق الفن ليس مشروعاً للفنانين وحدهم، ولا مسؤولية صالات العرض وحدها، بل هو مسؤولية منظومة اجتماعية ثقافية كاملة. فالفن، في نهاية المطاف، ليس مجرد عمل فني يُباع، بل اقتصاد معرفة، وصناعة ثقافية، ورأس مال رمزي يستثمر في إبداع المواطنين، يعكس مستوى نضج المجتمع وقدرته على تحويل الإبداع إلى قيمة مستدامة.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: كم لدينا من معارض؟ ولا كم لدينا من الفنانين؟ بل هل نمتلك سوقاً فنية قادرة على إنتاج القيمة، أم أننا نكتفي بإنتاج مظاهرها؟ وبين السؤالين تكمن المسافة الفاصلة بين النشاط الفني، وصناعة الفن.

عن صفحة الفن لغة العالم

شارك المقال