بهاء حلال: الذين يؤخرون سقوطنا.. نحن لا نعيش لأن الحياة تستحق
الذين يؤخِّرون سقوطَنا
حين ظننتُ
أنّ الطريقَ يقودُ إلى الطريقِ…
وأنّ المسافاتِ
ليست سوى خرائطَ
يرسمها العابرونَ
على صفحات الزمانْ…
أدركتُ،
بعد أن أثقلتني السنونُ،
أنّ العمرَ
ليس ما نعبرُه…
بل ما يعبرُ فينا
ويتركُ في القلبِ
أثرًا…
يُسمّى الإنسانْ….
لقد أوهمتنا الحياةُ
أنّها تستحقُّ كلَّ هذا العناء…
فاندفعنا إليها
كما يندفعُ النهرُ
وهو لا يدري
أنّ البحرَ
ليس سوى اتّساعِ الفقدِ
من شاطئٍ
إلى شاطئِ النسيانْ.
ثمّ…
حين أخذ الضوءُ
يتسرّبُ من شقوقِ الوهمِ،
اكتشفتُ
أنّي ما أحببتُ الدنيا
إلّا بقدرِ
ما كان فيها
من وجوهٍ
إذا ابتسمتْ
أزهرتِ الجهاتُ…
وإذا بكتْ
أصابَ الكونَ
شيءٌ من الخذلانْ…
كم مرّةً
هممتُ
أن أُسدلَ ستارةَ القلبِ،
وأتركَ هذا الركامَ
لريحِه…
لكنّ صوتًا
كان ينهضُ من بعيدٍ،
لا يأمرني بالبقاء،
بل يجعلُ الرحيلَ
نوعًا من الخسرانْ….
عندها…
فهمتُ سرَّ الأشجارِ؛
هي لا تقاومُ الشتاءَ
حبًّا بالبردِ،
ولا تعشقُ الريحَ
إذا عرّتْ أغصانَها،
لكنّها تدركُ
أنّ ثمّةَ أعشاشًا
لن تجدَ وطنًا
إن استسلمتْ
للاحزان…
وفهمتُ سرَّ البحرِ؛
لا يعودُ
إلى الشاطئِ
اشتياقًا إلى الرملِ،
بل لأنّ خلفَ الموجِ
قلوبًا
تنتظرُ السفنَ
كي لا تموتَ
على أرصفةِ الانتظارْ.
وهكذا الإنسانُ…
كلُّ ما فيه
كان يظنُّ
أنّه يعيشُ لنفسِه،
حتى يكبرَ قلبُه
فيكتشفَ
أنّ الآخرينَ
كانوا يسكنونَه
قبل أن يسكنَهم،
وأنّ أسماءَهم
هي النبضُ
الذي كان يؤخّرُ
انطفاءَه عد المئة مرتان…
فما كان الصبرُ
فضيلةً،
بل حبًّا
ارتدى ثوبَ الخرسان..
وما كان الكفاحُ
بطولةً،
بل خشيةً
من أن ينكسرَ
شيءٌ جميلٌ
في عيونِ الازمان…
وما كان الأملُ
إيمانًا بالغدِ،
بل وفاءً
لقلوبٍ
تعلّقت بنا
كما تتعلّقُ النجومُ
بآخرِ نافذةٍ
في الليلِ
قبل الأذانْ…
وحين يشيخُ الجسدُ،
وتسقطُ من اليدِ
كلُّ انتصاراتِها،
لن يبقى السؤالُ:
كم ربحتَ؟
بل:
لأجلِ مَن
هزمتَ الثعبان؟
ولأجلِ مَن
أخّرتَ سقوطَكَ
كلَّ مرّةٍ
وأنتَ تعلمُ
أنّك كنتَ
أقربَ إلى الخذلان…
هناك…
فقط،
ينكشفُ السرُّ
الذي خبّأه اللهُ
في قلبِ المحبّةِ؛
أنّنا
لا نعيشُ
لأنّ الحياةَ
تستحقُّ أن تُعاشَ…
بل لأنّ الذين نحبُّهم
يستحقّون
أن نبقى.
وكلُّ ما نسمّيه
عمرًا…
لم يكن
إلّا المسافةَ
بين قلبٍ
كاد أن يستسلمَ،
وقلبٍ آخرَ
قال له،
دون كلامٍ:
ابقَ…
فبقي الإنسانْ….
نبض ايامكم صباح السرور
ومساء العبور إلى الامان
العميد الركن الدكتور
بهاء حسن حلال




