رباب يوسف وهبي

أي قيمة للمواثيق الدولية حين يسقط المدنيون في النبطية؟

د. رباب وهبي: أي قيمة للمواثيق الدولية حين يسقط المدنيون في النبطية؟

“أيّ قيمة للمواثيق الدولية حين يسقط المدنيون؟”
بقلم الدكتورة رباب يوسف وهبي
لم يكن استشهاد مديرة إحدى رياض الأطفال في النبطية مجرد حادثة أمنية جديدة تُضاف إلى سجل التوترات التي يشهدها جنوب لبنان، بل شكّل صدمة إنسانية أعادت التذكير بأن المدنيين ما زالوا يدفعون الثمن الأكبر في كل تصعيد. فحين تُستهدف امرأة كرّست حياتها لتربية الأطفال، لا يخسر محيطها شخصًا فحسب، بل يخسر المجتمع جزءًا من رسالته في صناعة المستقبل.
وتزداد قسوة المشهد عندما يطاول العنف أشخاصًا لا تربطهم بالأعمال العسكرية أي صلة. فالمعلم، والطبيب، والطفل، والأم، جميعهم يمثلون جوهر الحياة المدنية التي يفترض أن تبقى بمنأى عن النزاعات المسلحة، وهو ما أكدت عليه قواعد القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف التي شددت على ضرورة حماية المدنيين وعدم استهدافهم.
غير أن تكرار هذه الحوادث يثير تساؤلات لا يمكن تجاهلها. فما قيمة النصوص القانونية إذا كانت عاجزة عن توفير الحد الأدنى من الحماية؟ وهل يكفي التمسك بالمبادئ القانونية إذا بقي تنفيذها رهين موازين القوى والمصالح السياسية؟ وبهذه الأسئلة ليس المقصود القانون الدولي فحسب، بل الفجوة المتسعة بين المبادئ التي أُقرت لحماية الإنسان، والواقع الذي يعيشه المدنيون في مناطق النزاع.
ولا يمكن فصل ما يحدث في لبنان عن المشهد الإنساني الأوسع في المنطقة، حيث تتكرر معاناة المدنيين في غزة أيضًا، من فقدان الأرواح وتدمير مقومات الحياة، في ظل استمرار التساؤلات حول قدرة المجتمع الدولي على حماية الأبرياء خلال النزاعات المسلحة. ورغم اختلاف الظروف والسياقات السياسية، يبقى القاسم المشترك هو الإنسان الذي يدفع الثمن الأكبر، والحاجة الملحّة إلى إعادة الاعتبار لمبادئ القانون الدولي التي وُضعت أساسًا لحماية المدنيين وصون كرامتهم.
إن هذه الاعتداءات تعيد طرح مسألة السيادة من زاوية مختلفة. فالدفاع عن السيادة يستوجب حماية الإنسان الذي يعيش داخل البلد، والعمل على توثيق الانتهاكات، ومتابعتها بالوسائل الدبلوماسية والقانونية، بما يحفظ حقوق الضحايا ويؤكد أن دماء المدنيين ليست شأنًا عابرًا، وليست شيئًا يمكن تجاوزه. فأين نحن من كل ذلك؟
وربما يكون أخطر ما تخلّفه هذه الاعتداءات هو الأثر النفسي والاجتماعي الذي يتراكم مع مرور الوقت. فحين تصبح المدارس جزءًا من مشهد الخوف، وتفقد العائلات شعورها بالأمان، لا تتضرر البنية العمرانية وحدها، بل تتصدع الثقة بالمستقبل، ويترسخ الإحساس بأن الحرب قادرة على الوصول إلى أكثر تفاصيل الحياة اليومية بساطة.
ومثل هكذا حدث لا يخص مدينة بعينها، بل رسالة مؤلمة تذكّر بأن حماية المدنيين ما تزال أحد أكبر التحديات التي تواجه المجتمع الدولي. فالقوانين تكتسب قيمتها عندما تُطبّق، والمواثيق تُقاس بقدرتها على صون حياة الإنسان، لا بعدد النصوص التي تتضمنها.
فبالرغم من مرور أكثر من سبعة عقود على إقرار اتفاقيات جنيف لعام 1949، التي ما تزال تشكل المرجعية الأساسية لحماية المدنيين زمن الحرب، يبقى التحدي الأكبر في قدرة المجتمع الدولي على ضمان احترام هذه القواعد وتحويلها من نصوص قانونية إلى حماية فعلية على الأرض.
ويبقى الأمل أن تتحول هذه المآسي إلى حافز لإحياء دور القانون الدولي في حماية المدنيين، وأن يكون الإنسان، أيًّا كانت هويته أو مكان وجوده، القيمة الأولى التي تلتقي عندها السياسة والقانون والأخلاق.

شارك المقال