د. رباب وهبي: لماذا تفشل مبادرات الحوار اللبناني؟
“معادلة الشراكة اللبنانية… لماذا تسقط مبادرات الحوار عند عقدة الاصطفاف؟”
بقلم: د. رباب يوسف وهبي
تتداخل الأزمات السياسية في لبنان مع الهواجس الأمنية الممتدة على طول الخارطة الإقليمية، لتشكل المشهد اللبناني المعقد الذي يتراوح دائما بين حافة الانفجار ومحاولات التهدئة المقيدة. وفي هذا المناخ المتوتر، تعود إلى الواجهة المبادرات الوطنية الداعية إلى فتح ثغرة في جدار الانسداد القائم، حيث تأتي الدعوة لإطلاق اللقاء الوطني كعنوان يتجاوز حدود المناسبة السياسية العابرة، بحثاً عن مساحة تفاعلية قادرة على وصل ما انقطع بين المكونات المجتمعية ومؤسسات الدولة.
وكان اللقاء الذي جمع العلامة السيد علي فضل الله بوفد من اللقاء الوطني قد تسلل إلى الواجهة التحليلية، ليس بوصفه بروتوكولاً دينيا أو سياسياً، بل كمدخل لقراءة المرحلة المعقدة واستشراف سبل تعزيز الحوار السياسي والتواصل قبل انعقاد اللقاء الجامع المرتقب في بيروت.
فالرسالة المركزية التي اختصرت هذه القراءة تمثلت في التشديد على أن الصيغة اللبنانية تتأسس بنيويًا على خيار لا يقبل التجزئة، إذ لا مكان في لبنان لإمكانية القيام على مكوّن واحد، أو مذهب محدد، أو موقع سياسي منفرد. وهي مقولة لا تعبّر عن أمنية أخلاقية بقدر ما تختزل دروس التاريخ اللبناني المعاصر، إذ أثبتت المحطات المفصلية منذ أزمة عام 1958 أن محاولة الاستئثار بالقرار الخارجي والانحياز لحلف إقليمي دون مراعاة المكونات الأخرى تؤدي إلى انهيار الاستقرار الداخلي. كما أكدت أحداث أيار 1973 وما تلاها من اندلاع الحرب الأهلية عام 1975 أن اختلال التوازنات وتراكم فائض القوة لدى أي طرف، مهما بلغت امتداداته الشعبية أو العسكرية، يتهاوى عندما يتعلق الأمر بإدارة الدولة وبناء الاستقرار المستدام.
إن استحضار تجربة اتفاق الطائف عام 1989، وما سبقها من انهيار مؤسساتي، يقدم دليلا قاطعاً على أن الحلول في لبنان لا تنضج إلا حين يدرك الجميع أن إقصاء أي مكوّن أو محاولة كسره لا ينتجان حلاً، بل يعيدان إنتاج الأزمة بأشكال أكثر حدة وتوتراً. وما تجربة حكومة عام 2006 وما تلاها من أزمة استقالة الوزراء الشيعة وما رافقها من انسداد سياسي حاد، إلا نموذج محلي حديث يؤكد أن تعطيل الشراكة الوطنية يعطّل مؤسسات الدولة بالكامل بصرف النظر عن النصوص القانونية.
ومن هذا المنطلق، تكتسب فكرة توسيع الإطار السياسي جدواها الحقيقية. فالمطلوب عملياً ليس إضافة عنوان جديد إلى لائحة الأطر السياسية والتكتلات التي تزخر بها الساحة اللبنانية، بل صياغة مساحة تواصل تجمع القوى المتباينة تحت سقف واحد، منعاً لشرذمة المجال العام إلى جزر متقابلة يخاطب فيها كل طرف جمهوره الخاص ويغذي هواجسه الحزبية. وهو المحذور الذي جرى التنبيه إليه بضرورة ألا تتوالى اللقاءات الفئوية كمنصات مضادة تفرغ المبادرات الجامعة من محتواها الوطني، تمامًا كما حدث في مؤتمرَي جنيف (1983) ولوزان (1984) حين تحولت الطاولات إلى متاريس سياسية تعكس الانقسام الميداني بدل إيجاد حلول له.
إن العقدة الممتدة في الممارسة السياسية اللبنانية لا تكمن في شح المبادرات أو غياب أوراق العمل، بل في غياب آليات التنفيذ والقدرة على نقل الحوار من مرحلة العلاقات العامة إلى مسار منتج. فالتاريخ الحديث شهد سلسلة طويلة من مؤتمرات الحوار الوطني، مثل طاولة حوار عام 2006 في مجلس النواب وما تلاها من مبادرات، رفعت جميعها شعارات التوافق، قبل أن تسقط عند أوّل اختبار عملي بفعل منطق الاصطفاف والحسابات الضيقة أو التجاذبات الإقليمية المتغيرة.
وبناءً على ذلك، فإن الرهان على المبادرة المرتقبة لن يُقاس بحجم الحضور الرقمي ولا بنوعية البيانات الختامية الصادرة، بل بمقدار القدرة على صياغة خطاب سياسي يتجاوز تقاسم المكتسبات، ويطرح مقاربة واقعية لإعادة تشكيل العلاقة بين المكونات والكيان المؤسساتي.
ويتطلب هذا المسار الانتقال من الخطاب الاستقطابي المعتمد على التجييش والشحن العاطفي إلى خطاب عقلاني يتسم بالهدوء والواقعية. فالمرحلة الحالية، بكل معطياتها الاقتصادية والاجتماعية والأمنية الضاغطة، لم تعد تحتمل إعادة تدوير الخوف المتبادل. كما أن الحوار المطلوب لا يعني إلغاء الاختلافات السياسية أو صهرها في قالب واحد، فالتباين في القضايا الكبرى جزء طبيعي من الديناميكية السياسية، غير أن الفارق الجوهري يكمن في كيفية إدارة هذا الاختلاف، فإما أن يستمر كأداة للصدام والتخوين، أو يتحول إلى مسار تفاوضي يستوعب المخاوف المتبادلة ضمن مشروع دولة يتسع للجميع.
تبدو الفرصة اليوم مرهونة بمدى قدرة القائمين على هذا اللقاء على فتح أبوابه أمام كفاءات وتوجهات تتجاوز الأطراف التقليدية، والنفاذ بعيدًا عن منطق المحاور المحصنة. إن لبنان بحاجة إلى مضمون جديد يعيد الاعتبار للتنوع باعتباره مرتكزًا للتفاهم لا وقودًا للنزاع، ففي بلد محكوم بالتوازنات، تظل الشراكة الحقيقية هي خيار الأمان الوحيد لإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة.






