السفيرة الضنية.. تاريخ روماني وغابات وبساتين على قمم الجبال

السفيرة الضنية.. تاريخ روماني وغابات وبساتين على قمم الجبال

السفيرة الضنية
تاريخٌ على قمم الجبال… من آثار الرومان إلى ذاكرة الأجداد

السفيرة، إحدى بلدات الضنية العريقة، تمتد أراضيها على مساحة تقارب 638 هكتاراً، وتتدرج في ارتفاعها من نحو 1100 متر عن سطح البحر عند بداياتها، وصولاً إلى قرابة 1800 متر في أعلى مرتفعاتها، فيما تقع معظم مناطقها الوسطى على ارتفاع يتراوح بين 1400 و1500 متر.

ويُقدَّر عدد أبناء البلدة المؤهلين للانتخابات، ممن تجاوزوا الثامنة عشرة من العمر، بما بين تسعة وعشرة آلاف ناخب. وتتميز السفيرة بنسبة لافتة من المتعلمين والمثقفين والأطباء، إلى جانب حضور أبنائها في الأسلاك الأمنية والتربوية ومختلف الاختصاصات.

السفيرة والتاريخ الروماني

تحمل السفيرة في أرضها شواهد واضحة على حضور روماني قديم، وفي مقدمتها القلعة والحصون والمعابد الأثرية المنتشرة في نطاقها.

وتتوارث الذاكرة المحلية رواية تربط اسم السفيرة باسم سيفيروس (Severus)، ويربطها البعض بالإمبراطور الروماني سيبتيميوس سيفيروس الذي حكم الإمبراطورية الرومانية بين عامي 193 و211 للميلاد. وكان سيفيروس يتبع الديانة الرومانية التقليدية الوثنية، كما كانت زوجته جوليا دومنا ابنة أسرة كهنوتية من مدينة حمص في بلاد الشام.

وهنا من المهم التفريق بين الحقيقة التاريخية المثبتة والرواية المحلية المتوارثة؛ فوجود الآثار الرومانية في السفيرة ثابت، أما نسبة بناء الحصن مباشرة إلى الإمبراطور سيفيروس واشتقاق اسم السفيرة من اسمه، فهي رواية تستحق مزيداً من البحث والتوثيق الأثري والتاريخي.

يقع الحصن الرئيسي على ارتفاع يقارب 1400 متر عن سطح البحر، ويعلوه حصن آخر بنحو 190 متراً، أي على ارتفاع يقارب 1590 متراً. ومن يقف في هذه المواقع يدرك سبب اختيار الرومان لهذه المرتفعات، لما توفره من إشراف واسع على المنطقة وممراتها.

من المعبد القديم إلى المسجد

وفي بداية السفيرة، عند ارتفاع يتراوح تقريباً بين 1100 و1200 متر، يقع الموقع المعروف باسم بيت الملك.

وبالقرب منه كان يوجد، بحسب الرواية المتوارثة، معبد وثني قديم يعود إلى الحقبة الرومانية. وهذا ينسجم من حيث الإطار التاريخي العام مع طبيعة المعتقدات السائدة في الإمبراطورية الرومانية آنذاك، إذ كانت الديانة الرومانية التقليدية قائمة على تعدد الآلهة والعبادات قبل انتشار المسيحية وتحول الإمبراطورية إليها في عصور لاحقة.

ومع مرور القرون تغيرت وظيفة المكان، حتى أصبح جزءاً من تاريخ السفيرة الإسلامي. وقبل نحو 190 عاماً، قام الشيخ أحمد حسون، سلطان السجادة الرفاعية البوراقية، وهو من علماء عصره ورجال التصوف، بتحويل المكان إلى مسجد ومركز للعلم والتعليم والتوعية والإرشاد لأهل البلدة.

ثم حمل الرسالة من بعده ابنه الشيخ محمد الدرويش، فتابع مسيرة العلم والإرشاد، وهو مدفون في المسجد القديم.

وهكذا أصبح هذا الموقع يحمل في طبقاته ذاكرة مراحل مختلفة من تاريخ السفيرة؛ من آثار العهد الروماني القديم إلى المسجد والعلماء الذين جعلوا منه منارة للعلم والعبادة.

جبل السفيرة والشير

وتضم السفيرة جبل السفيرة المعروف بالشير، الذي يحتضن غابة طبيعية واسعة وغنية بأشجار السنديان والصنوبر والشربين والتنوب.

ومن مرتفعاته تنكشف الضنية وقراها، وتمتد الإطلالة نحو الساحل والبحر، في مشهد يفسر الأهمية الاستراتيجية التي اكتسبتها هذه المرتفعات عبر التاريخ.

كما تتصل طرق السفيرة بمحيطها وصولاً إلى طرابلس وعكار والهرمل ومرتفعات القرنة السوداء.

أرض الينابيع والبساتين

وتتميز السفيرة بكثرة الينابيع ومصادر المياه الطبيعية، ولا يزال عدد منها بحاجة إلى الرصد والتوثيق.

وقد جعل ارتفاعها ومناخها الجبلي وخصوبة أرضها منها بيئة مناسبة لزراعة الأشجار المثمرة، ومن أشهر محاصيلها التفاح والإجاص والبرقوق والخوخ.

السفيرة… تاريخ لا يزال حياً

السفيرة بالنسبة لنا ليست مجرد بلدة على مرتفعات الضنية؛ إنها كتاب مفتوح من طبقات التاريخ.

في أعاليها حصون وآثار رومانية، وفي بداياتها موقع حمل ذاكرة معبد قديم ثم أصبح مكاناً للصلاة والعلم، وفي جبالها غابات وينابيع وبساتين، وبين أهلها أجيال من العلماء والمثقفين والأطباء والتربويين ورجال الدولة.

هذه هي السفيرة التي نعرفها ونحبها؛ أرضٌ مرّت عليها الحضارات، وحفظ أهلها ذاكرتها، وأرض أجدادنا التي بقيت أمانة في أعناقنا، نحفظ تاريخها ونزرع في أبنائنا وأحفادنا حبها والانتماء إليها.

شارك المقال