د. سابا زريق: الحوار الجاد يزيل هواجس المواطنين
وقائع إدارة د. سابا قيصر زريق
للجلسة الخامسة من مؤتمر
“الأبعاد الوطنية لتراث الوادي المقدس ومئوية الدستور اللبناني”
وذلك حول
“الحوار الإسلامي المسيحي والعيش المشترك”
المنعقد بدعوة من رابطة قنوبين للرسالة والتراث
الدورة الثالثة من المؤتمر الدائم لتراث الوادي المقدس، بيت الذاكرة والأعلام،
حديقة البطاركة، الديمان
يوم الاثنين الواقع فيه 31 آب 2026
أخواتي وإخواني،
مقدمة
- الكلُّ يتحدثُ عن “الحوار” وقِلّةٌ تفقَهُ له معنىً. أصبحَ هذا المفهومُ مادةً يَستعمِلُها، إن لم أَقُلْ يَستَغِلُّها، مهندسو السيناريوهات السياسية، يَوهِمونَ الغَيرَ أنهم من دُعاةِ التَحاوُر، من جهة، ويَضَعونَ العِصي في دواليبِ الصادقين من جِهةٍ أخرى. ويختلقونَ الشروطَ غير المقبولة لكي يقومَ المُحاوِرُ الصادقُ برفضِها، فتُنتَهزُ هذه الفرصة ليتذرّعوا بعدئذٍ بأنه رَفَض الحِوار!!
- إن مصيرَ أيِ حوارٍ لا تلتقي فيه نياتُ المُتحاورين الحَسَنة بصدَدِهِ هو حتماً الفشل. إنَ التواصلَ الجاد يساعدُ على إنضاجِ الأفكارِ السليمة المتبادَلة توصُّلاً إلى تقاطعٍ لا بدَّ ان يُنتِجَ حُلولاً إيجابية.
- أنواع الحوار
تتعدَّدُ الحِواراتُ بتعدُّدِ انتماءاتِ أطرافِها في وطنٍ تعدُّدي. فهنالك الحِوارُ الإسلامي – المسيحي والحِوارُ الإسلامي – الإسلامي والحوارُ المسيحي -المسيحي.
أُطلِقَتْ عمليةُ “الحِوار” في لبنان منذُ زمن، لتَعنيَ حَصريًا الحِوارَ بين المسلمين والمسيحيين، قبل أن يَطالَ مفهومُها، وإن بمقارباتٍ خَجُولةٍ، المتخالفينَ منهم من نفسِ الدين أو نفسِ المذهب. إن الصراعَ الحاصِلَ حاليًا بين مُكوِّناتِ الوطن هو بمثابةِ حربٍ باردة، قد تكونُ أشدَّ بأساً عليه من الحروبِ الناشطة.
الحوارُ الإسلامي – المسيحي
شُكِّلتِ اللجانُ وعُقدَتِ الاجتماعات والنَدَوات والمحاضرات، برعايةِ الرؤساءِ الروحيين للطوائفِ الأساسية، من مُمثلي أولئكَ الرؤساء، دون أن يقومَ رعايا الطوائفِ المعنية بالمشاركةِ فيها على أي نَحوٍ يُذكَر. فبرزَ هذا الحوارُ كحوارٍ بين أولئكَ الممثلين دونَ أبناءِ طوائفهِم، مما أفقده الشموليةَ لافتقارِهِ الى قاعدةٍ واسعة. علماً أنه في عِدّةِ حالاتٍ تكونُ الآراءُ التي يَطْرحُها المتحاورون تعبيرًا عن رؤيةٍ قد تكون مختلفةً عن رؤيةِ الرعايا الذين تتجاذَبُهُم إعتباراتٌ أكثرُ واقعية، مرتبطةٌ بانتماءاتِهِم الجُغرافية و/أو العقائدية و/أو السياسية.
الحوارُ الإسلامي – الإسلامي
أما الحوارُ الإسلامي – الإسلامي، أللّهُمَ في لبنان، فهو خجولٌ وأقلُ علانيةً من الحوارِ الإسلامي – المسيحي. هو حوارٌ سياسيٌ في ظاهرِه، دينيٌ عقائديٌ في باطنِه، بسببِ التبايُنِ التاريخي بين المذهَبين الشيعي والسُنّي الذي يجعلُ من محاولةِ الحوارِ ذاتِ الطابعِ الديني الصِّرْف أصعبَ مما هو الحوارُ ذات الطابع السياسي. ولا حاجةَ للتذكيرِ أن الصراعَ الإسلامي-الإسلامي، الذي كان خابتاً في لبنان، أعادَهُ إلى العلن تدخُّلُ جِهاتٍ خارجية عَمِلَتْ على إعادةِ تأجيجِ النزاع بين المذهبَين.
الحوارُ المسيحي – المسيحي
إن هذا الحوارَ، وإن لم يكُنْ مقطوعاً تماماً، لم يؤدِّ لغايةِ الآن إلى توحيدِ الكنائس. أما على الصعيدِ السياسي، فإن الحوارَ المسيحي – المسيحي في لبنان مفقودٌ منذ زمنٍ طويل، على الرُغمِ من التحالفاتِ الظاهِرةِ والتي تتكثَّفُ في مواسم ِالإنتخابات.
أيننا إذاً من الحِوارات التي تُزيلُ هواجسَ المواطنين العديدة؟
إن بعضَ مسيحيي لبنان يخشَوْنَ على مستقبلِهِم في خِضَمِّ الجوِّ الإسلاميِ العارمِ في هذه المنطقة. ويا ليتَهم يلتَقونَ على نظرةٍ موحَّدَةٍ لموقِعِهِم في هذا الشرقِ العربي، الذي يَديُن لهم بثروةٍ نَهضويةٍ ثقافيةٍ باعترافِ المُسلمينَ أنفسِهِم. وأهلُ الشيعةِ في لبنان، الذين يعتبرون أن حقوقَهُم مهضومةٌ لألفِ سببٍ وسبب، وأنهم ضَحّوا كثيرًا وقدّموا أرواحَهُم في سبيلِ التحرير، وَجَدَ البعضُ منهم نفسَهُ ينجرِفُ إلى خَياراتٍ ليسَتْ في مصلحةِ الوطن. وهم يخشَوْنَ كذلك على مستقبلِهِم ويعتبرونَ أنهم على هامشِ الغالبيةِ الساحقةِ في عالَمٍ إسلاميٍ سُنّي.
وأسفرَتِ التبايناتُ عن جَدَلٍ حادٍّ حولَ مسائلِ الإنتماءِ والهُويةِ والسيادةِ والخَياراتِ المصيرية. ومع أن الشعبَ اللبناني، بِمختَلفِ فِئاتِهِ يُعّبرُ اليومَ عن تمسُّكِه بمعنى لبنان، إلا أن التدخلاتِ الخارجيةِ المستمرةِ من الشَرقِ ومن الغَربِ لا تزالُ تهدِدُ الوَحدةَ الداخلية.
العيشُ المشترَك
أما “العيشُ المشترَك” أو “العيشُ الواحد” أو “التعايُش”، أو “العيشُ معاً”، أو ما شابه من المفرداتِ التي تزدَحِمُ في أذهانِ المواطنين، فهي إن دلَّتْ على شيء فإنها تدُلُّ على ارتباكٍ أكيد، وإلا لما كنا نفتِّشُ في معاجِمَ عن مفرَدةِ خَلاصٍ من آفةِ الطائفيةِ البغيضة، نطَعِّمُها بمصطلحٍ شديدِ الاصطناع. فلا “المشترَكُ” ولا “الواحدُ” ولا “معاً”، وحتماً لا “التعايش”، الذي يبطِّنُ مفهومَ تحمُّلِ الآخَر وإن على مَضض، يفي بالحاجة. فهيهاتِ لو لم يتلَهَّ القيّمون على مصائِرِنا بالتبارُزِ حولَ النصوص، وانصرفوا إلى مداواةِ النفوسِ المريضة. ولِمَ لا نستحدثُ مُصطلَحاً جديداً جامعاً مثل “الإخاءُ في المواطِنية”.
أمّا ضيوفُنا في هذه الجلسة، فهم قاماتٌ مشهودٌ لها بالجِدّيةِ والعملِ الصادقِ والدؤوب لتعزيزِ التلاقي وبناءِ الجسور؛ سَخَّروا القِيَمَ العاليةَ المُستقاة من انتماءاتِهم الدينية، محاولينَ رأبَ صَدعٍ بنيويٍ، توارَثْناهُ من اتفاقياتٍ وتوافُقاتٍ ومواثيقَ عُقدَتْ ظَرفياً لسَدِّ احتياجاتٍ آنية، بعضُها خبيثٌ دون شك، وإلا لما كنا اليومَ على ما نحنُ عليهِ من حال.
تقديم د. الياس الحلبي
إن مجرَدَ الاطلاعِ على مسيرةِ د. الياس الحلبي، مديرِ معهدِ الحوار الإسلامي-المسيحي في جامعةِ البلمند، إبنِ الكنيسةِ الأنطاكيةِ البار، وشِبلِ ذلك الأسد الذي ما زالَتْ ترانيُمُهُ تصدَحُ في أُذنَي، يَكشُفُ أن هذا الإنسانَ متضلِّعٌ بشؤونِ الحِوار، متعمِّقٌ فيه، يراهُ أنه الحلُّ الأوحد لفَضِّ أي نوعٍ من النِزاعات. فهو، إلى تسلُّحِهِ بَتَرْسانةٍ مميزةٍ من العلومِ في هذا المجال، تؤشِّرُ إلى اهتمامِهِ الرَّصينِ بالعلاقةِ المسيحية-الإسلامية وتفاعُلاتِها في مجتمعِنا التعدُّدي. عَمِلَ في منظماتٍ دُوَلية وخَضَعَ لبرامجَ تدريبيةٍ مركَّزة. كما نَظَّمَ وشاركَ في مؤتمراتٍ ونَدَواتٍ لا بُدَّ أنها أكسَبتْهُ خُبُراتٍ نادرة. هو الذي تولىّ كذلك التدريسَ في هذا المجال. إن مِشاركاتِهِ الناشطة في مؤتمراتٍ تتمحْوَرُ حول قُبولِ الآخر ونَبذِ التعصُّبِ وتعزيزِ الوفاق وحقوقِ الإنسان والعدالةِ الاجتماعية و “العملِ معاً” لدَرْءِ التدخُّلاتِ الخارجيةِ والتنمية في العالَمِ العربي والوجودِ المسيحي في الحضارةِ العربية، والأصوليةِ بمواجهةِ التسامُح، وتوطيدِ العلاقةِ بين الأديان، والتعصُّبِ بمواجهةِ التعدُّدية، تراكمَتْ كُلُّها لتجعلَ منه مرجِعاً في هذا المجال. والدليلُ على ذلك غزارةُ نِتاجِهِ الفِكري من دراساتٍ ومؤلفاتٍ وأبحاثٍ باللغتَين العربية والإنكليزية. وهوالمشجِّعُ على مشاركةِ الشباب من خلالِ أمانتِهِ الإقليميةِ لاتحادِ الطّلاب المسيحيين العالميين في الشرق الأوسط.
وبالإضافة إلى ما أسْلَفْت، نشطَ د.الحلبي كذلك على صعيدِ الإعلام، فهو عضوُ مجلسِ تحريرِ مجلّة Current Dialogues أو “الحوارات الراهنة” الصادرة عن مجلسِ الكنائسِ العالمي.
وسوف يضيءُ د. الياس اليوم على ميثاقيةِ لبنان الدستورية كأساسٍ للعيشِ المشترَك، مُتَّكِئاً على رؤيةِ مفكِّرينَ كِبار عالجوا موضوعَ الحِوار الإسلامي المسيحي الهادف إلى تحقيقِ عَيشٍ مشترَكٍ
فِعلي في لبنان.
د. الياس،
كُّلنا سَمَع
تقديم المطران سويف
من العُسرِ، عندما تكونُ سيرةُ مُحاضرٍ ما بحجمِ كتابٍ يحضُنُ سرداً وافياً لإنجازاتٍ تلي إنجازات، أن تقدِّمَ صاحَبها باختصارٍ لابدَّ أن ينالَ من شُموليتِها؛ غير أن هذا أمرٌ أنا محكومٌ به ضَنّاً بوقتِكُم.
لا أبالِغُ إن قلتُ إن شخصيةَ سيادةِ المطران يوسف سويف متعددةُ الأبعاد، على غيرِ صعيد. هو رِجالٌ في رَجُلٍ واحِد، وفي أكثرِ من مَجال. إن قاربتَ نشاطاتِه الروحية، وتابعتَ تدرُّجَهُ في سُلَّمِ اللاهوتيةِ تكتشفُ مدى إنخراطِهِ فيها. فمنذ إنطلاقتِهِ وهو ما يزالُ في مقتَبَلِ حياتِهِ الكَهَنوتيةِ إلى يومِنا هذا، تسلَّقَها بثباتٍ وتبوَّأَ وما زال، مناصبَ رفيعةً في كنيستِهِ الكاثوليكيةِ مُطراناً للموارنةِ في قبرص، لفترةٍ ناهَزتِ الإثني عشر عاماً، تركَ فيها آثاراً محمودة، ليس فقط في أبرشيته، بل على صعيدِ الجزيرةِ ككُل، ونالَ وِسامَ القائدِ الأكبر لرئيسِ الأساقفة مكاريوس الثالث. عاد سيدُنا إلى طرابُلس، التي كان قد غادرَها كاهناً، ليترأسَ أبرشيتَها. وتميزَتْ خَدَماتُهُ الرَّعَوية بتجاوزِ إطارِها الديني الصِّرف إلى رحابٍ أوسع، عزَّزَ فيها المحبةَ والشبابَ والفِرقَ الكشفية والعائلات والأنشطةَ الإجتماعية. ونالَ ثقةَ رؤسائه الروحيين على كلِّ المستويات، وصولاً إلى أحبارِ السُدة البابوية، الذين كلفّوه بمَهامٍ حساسة كان سيادتُهُ أهلاً لها: كمُعِدٍ للسينودس من أجل لبنان ونائبٍ أسقفي للشؤون الرعوية وزائر رسولي للموارنة في اليونان ورئيسِ اللجنةِ الأسقفيةِ للمدارسِ الكاثوليكيةِ في لبنان؛ وأمينِ سرٍّ خاص لسينودوس الأساقفة من أجل الشرقِ الأوسط، وعضوٍ في المجلس التنفيذي لمنظمة كاريتاس الدُوَلية وعضو في دائرة التنمية البشرية. أما أبرزُ الموضوعاتِ الدينية والإجتماعيةِ التي تشغَلُهُ فهي : العملُ التطوّعي ومستقبلُ مسيحي الشرق الأوسط ودورُهم في تعزيزِ السلام والديمقراطية والإصلاحُ الليتورجي في الكنائس الشرقية والحِوارُ بين الأديانِ والمواطَنةُ والأخُوةُ الإنسانية وحقوقِ الإنسان وتمكينِ المرأة.
وجاءَتْ وثيقةُ الأخوةِ الإنسانية لتحفِّزَهُ على المُضيِ في حملتِهِ لإقحامِ المجتمعِ المَدَني للترويجِ لهذه الأخوة. فكان مع مولانا سماحةُ الدكتور مالك الشعار من مؤسِّسي اللقاء للحِوار الديني والإجتماعي، الذي بادرَ إلى إطلاقِه معالي الوزير محمد الصفدي. وكَوني عضواً في اللقاءِ المذكور، أتطلّعُ دوماً بشغفٍ إلى مداخلاتهما التنويرية التي تعكِسُ هاجِسَ تحقيقِ تلك الأُخُوة.
ولما كان مجتمعُنا يئنُّ من أزمةِ المخدِرات وتَبِعاتِها المؤلمة على المواطنين وعلى مجتمعاتِهم، إنضمَّ سيادتُهُ إلى تجمُّعِ “أم النورِ” و”جمعية المنهجِ الخيرية”ِ في تأسيسِ بَرنامج “فرصة” في طرابلس لإعادةِ تأهيل المُدمنين؛ ولم أنجُ شخصياً من حَذوِ حَذوِه بالانضمام إلى مجلس هذا البرنَامج.
وكونه يُتقِنُ اللغاتِ القديمة: السريانية واليونانية واللاتينية؛ والعربية والفرنسية والإيطالية والإنكليزية واليونانية الحديثة والإسبانية، مُلِماً كذلك بالألمانية، فُتحَتْ أبوابُ العالمية أمامه لنشرِ المحبةِ والإنسانية.
سيدنا سويف،
المِنبرُ لك.
تقديم سماحة المفتي مالك الشعاروكأني بسماحَتِهِ فُطِمَ يافِعاً على التَعَمُّقِ في العلومِ الدينية وعلومِ القرآنِ الكريم بخاصة. فهو، بعد أن أُجيزَ بتخصُّصٍ في القضاءِ الَّشرعي وفي التدريسِ من كليّةِ أصولِ الدّين في الجامعةِ الإسلامية، نَهَل العلومَ الشرعيةَ العالية من المنبَعِ الأزهري الشريف؛ وكان قد تولّى إمامةَ مسجِدٍ في فيحائِنا، ولَقَّنَ العلومَ الشرعيةَ لطلابٍ في المدينة، كما لاحقاً في الإمارات العربية المتّحدة، من أصولِ الفِقهِ وعلومِ القرآن وأصولِ الحديثِ ومُصَطَلَحِهِ وتفسيرِ الآياتِ الكريمة. سخَّرَ صاحبُ السماحةِ خُبراتِه الواسعة في إحقاقِ العدلِ الشرعي، قاضياً عادلاً يَفصُلُ بسلطانِ الضمير. كما صَقَلَ عِلمَهُ الواسعَ بمشاركاتٍ لا تُعَدُّ ولا تُحصى في مؤتمراتٍ ونَدَواتٍ ومحاضراتٍ وأبحاثٍ في لبنان وفي الخارج، تمحورَتْ موضوعاتُها حولَ تِلاوةِ وحِفظِ القرآنِ الكريم والسيرةِ النبوية وأصولِ الفِقهِ والقواعدِ الشرعية؛ وكذلك إعدادِ الدُّعاةِ والوُعَّاظِ والأئمةِ لمسؤولي المراكزِ الإسلاميةِ في أوروبا وتأهيلهٍم. وكان له صولاتٌ وجولات في تظهير نظرةِ الإسلامِ إلى حقوقِ الإنسان والطِّفل والمرأة والعُمّال والحرياتِ العامة وحرية الرأي. كما يعالجُ سماحَتُه موضوعاتٍ إجتماعيةٍ وشرعية في دِراساتٍ معمَّقة، يُذكَرُ منها على سبيلِ المثالِ ليس إلا: العيوبُ الصِحيةُ وأثرُها في عقدِ الزواج؛ القضيةُ الفلسطينية وموقِفِ الإسلام من الآخَر.
إن شيمَ سماحتِهِ لا تُحدُّ برحابةِ اُفُقِه، بل هي تُكَلَّلُ بغارٍ من الإعتدالِ والإنفتاحِ والمواطِنيةِ الصالحةِ وهي فضائلٌ نابعةٌ من الإسلامِ الحقيقي الذي ينادي بالسلامِ والوِئام.
مولانا،
أدعوكمُ لإتحافِنا، على عادتِكُم، بما يَخرُجُ لنا من عِلمِكُم الواسع وحِكمتِكُم المَشهودِ لها وكَلَمِكُم الطّيب؛ فتفضّلوا.
خاتمة
إن الحوارَ عمليةٌ إرادية، فلا نجعلُ تعثُرَهُ في الماضي سببًا لعدمِ خوض غماره مجددًا، بصدقٍ وصراحةٍ وانفتاح. لم يعُدْ هنالك من مواضيعَ “حسّاسة”. لقد علَّمَنا تاريخُ وطنِنا أن غُموضَ الأمورِ يُوَلّدُ انطباعاتٍ خاطئة، يعمَلُ بموجَبِها المواطنُ تجاهَ أخيهِ المواطن، أو حتى تجاهَ دولتِه، بطريقةٍ عمياءَ وخرقاء، ترتِّبُ على تصرفاتِهِ مفاعيلَ سلبية، كان ليتفاداها لو عَرِفَ الحقائق؛ فالحوارُ الجِدّي هو وحدُهُ الكفيلُ بإزاحة السِتارة عنها.
إن أيَ حوارٍ بين الأديان ينبغي أن يكونَ عميقاً، لا يقتصرُ على سطحياتٍ عقيمة، بل ينبغي التعمُّقُ في التصدّي لأمورٍ جوهريةٍ بهدف إبرازها، وإن تعذَّرَ حَلُّها فتخطّيها لإفساحِ المجالِ للتلاقي دون عقبات. وباختصارٍ كُلي، إن ما يجبُ أن نضَعَهُ نُصبَ أعيننا هو أن الهدفَ الأولَ لأي حوارٍ هو الإنسانُ وكرامَتُه. فالإنسانيةُ هي المشترَكُ بين البشرِ، إلى إية مِلةٍ انتموا.
أخواتي وإخواني،
أتوجه إليكم بهذه الكلمات المتواضعة وفي ذهني استعادةٌ لما بُنيَتْ عليه عام 2019 “وثيقة الأخوّة الإنسانية”، التي أُبرمَتْ بين فضيلة الإمام الأكبر شيخِ الأزهر الشريف أحمد الطيّب وقداسة البابا فرنسيس رحماتُ الله عليه. شغلَ هاتَين القامتَين الروحيتَين هاجسُ التحدياتِ التي تواجهُ السلامَ العالمي والأخوّة بين الطوائف. إني أدعو من لم يتسنَّ له بعد أن يقرأَ هذه الوثيقة إلى قراءتها والتبحُّرِ فيها، هي التي تُجِلُّ كرامةَ الإنسان وتدعو إلى الحِوار بين الأديان والمواطَنةِ والمساواةِ والعدالة ووُجوبِ احترام الآخَر والمُثُلِ الروحيةِ السامية التي تُنادي بها كافةُ الأديان.
وختاماً،
أتقدمُ من كافة المشاركين في هذه الجلسةِ بجزيلِ الإمتنانِ على إثرائِهم لها بِعلمِهم وخُبُراتِهم، وإلى الحضورِ الكريم على حُسنِ إصغائه.







