نهاية رواية تهريب سجين.. حين تتخطى العدالة النفوذ
من سلسلة دردشات اليل
تهريب سجين
الجزء العاشر والأخير – حبة الموت الوهمي
وقع المحقق في حيرة لم يعرفها في حياته المهنية كلها.
كيف يقابل كبير قضاة الدولة؟ وبأي صفة؟ وماذا يقول له؟ لا يملك دليلاً واحداً يصلح أن يقدمه للقانون. كل ما يملكه هو لقطة عابرة في تسجيل قديم، ورسالة مرمية بين القمامة، وإحساس داخلي بأن هناك خيطاً يربط كل شيء.
لو اتهمه صراحة، فسيُسحق هو، لا القاضي.
وبعد ليلة كاملة قضاها يدور في غرفته، يدخن بشراهة ويفكر، قرر أن يذهب إليه لا كمحقق يتهم، بل كتلميذ حائر يطلب النصيحة من أستاذه.
طلب موعداً، وجاءه الرد أسرع مما توقع.
في المساء فرع باب بيت القاضي فتح له، قاده الخادم إلى صالون واسع في قصر القاضي، جدرانه مغطاة بصور القضاة الأوائل ومجلدات القانون التي يعلوها الغبار.
طال انتظاره، ثم دخل القاضي. رجل في الستين من عمره، هادئ الملامح، يرتدي ثوباً بيتياً بسيطاً، هو نفسه الوجه الذي رآه يختبئ في تسجيل المحاكمة، لكنه الآن أكثر هيبة ووقاراً.
نهض المحقق وسلم عليه وعرف بنفسه: “أنا المحقق المسؤول عن قضية السجين والسجين الفار من المطار.”
نظر إليه القاضي مطولاً ثم قال: “سمعت عنك الكثير، يقولون إنك عنيد لا تترك قضية إلا وأغلقتها.”
قال المحقق: “جئت أطلب منك معلومة، أو نصيحة، علها تساعدني.”
ابتسم القاضي ببرود وقال: “تفضل، فنّد لي ما توصلت إليه حتى الآن.”
ارتبك المحقق قليلاً، ثم بدأ يروي. روى له عن المطار، عن المحامي المزيف، عن عملية التبادل بين الرجلين، عن قناعته بأن هناك من دبر الهروب. روى كل شيء، إلا شيئاً واحداً لم يذكره أبداً: رسائل السجين، وقرص التسجيل.
استمع القاضي بصمت، وهو يقلب قلماً ذهبياً بين أصابعه، وعيناه لا تفارقان وجه المحقق.
ثم قال فجأة بنبرة تغيرت تماماً: “سأخبرك بأمر، وأنا أعلم أنك ستفهمه، لأنك رجل صادق ومخلص للعدالة. لكن كلمة واحدة مما سأقوله لن تخرج من هذا البيت والا النهاية لنا.
قال المحقق: “فهمت سيدي.”
قال القاضي: “نحن نراقب مسار هذا التحقيق من لحظة توقيفه بالمطار حتى اليوم. وهذا الرجل الذي تطارده، هو في القانون سجين، نعم، لكنه في الحقيقة مجرد أداة صغيرة بيد كبار النافذين في هذه البلاد. أعماله كلها لهم، ولهم علاقات خارج الحدود مع أرباب المال ومافيات العالم التي.تسيطر على المجتمعات.”
تنهد ثم أكمل: “باختصار، هو موظف، لكنه ذكي، ووصل إلى معلومات لو أنه تكلم عنها لأقام الدنيا ولم يقعدها، وقد تؤثر على مصير بلاد بأكملها. لذلك كان لا بد من إسكاته بطريقة قانونية. وكان متفقاً على أن يتم تلفيق قضية له، ويدخل السجن، ثم يتم التبادل بينه وبين ذلك المسكين البريء الذي في السجن الآن.”.
لماذا ؟: لأنه اشبه انسان به.
وطبعا اجبر على التنفيز والا الموت
وأضاف: “كل شيء كان يسير حسب الخطة المرسومة، لولا ظهورك أنت في الطريق.”
ساد صمت ثقيل في الصالون.
قال المحقق بصوت خافت: “ماذا تقصد؟”
قال القاضي: “أقصد أنه إما أن تنتهي المشكلة على يدك وتسكت، أو أنها لن تنتهي إلا بنهايتك أنت، ونهاية كل من له علاقة بالقضية.”
قال المحقق: “تقصد الشهود؟”
قال القاضي: “كلهم، من أصغر شاهد إلى أكبر شاهد، وربما تطال أناساً لا ذنب لهم سوى أنهم يعرفون شاهداً. وحتى أنا نفسي لست في مأمن.”
قال المحقق: “أشكرك على صراحتك سيدي، وهذا دليل على أنك لست متورطاً.”
قال القاضي: “المهم الآن أن الرجل الحقيقي أصبح خارج البلاد منذ لحظة خروجه من المطار. ولن يعود. وهناك بريء واحد في السجن يجب أن نخرجه، وعندها تطوى الصفحة.”
سأله المحقق: “كيف؟”
قال القاضي: “غداً سأتصل بك.”
وفي اليوم التالي، اتصل القاضي وطلب مقابلته في مكان بعيد. أعطاه علبة صغيرة فيها حبة واحدة وقال: “أعطها للسجين، وقل له أن يبلعها أمامك.”
“هذه الحبة ستجعله يبدو ميتاً في عيون الطب لمدة ساعات. ستنقل جثته إلى براد الموتى، وهناك سأقوم بتبديلها بجثة حقيقية لرجل ميت آخر يشبهه، تدفن بدلاً عنه. وبعدها انتظر اتصالي.”
فعل المحقق كل ما قيل له، ويداه ترتجفان. أوصل الحبة للسجين في زيارة سريعة واعطاه التعليمات وطمأنه ان يثق بالخطة.
بعد ساعات، أعلنت حالة استنفار في السجن بسبب موت السجين المفاجئ. نُقلت جثته إلى البراد، وهناك، في الظلام وبعيداً عن الأعين، تم التبديل.
اتصل القاضي بالمحقق وأعطاه عنوان بيت ريفي بعيد عن الناس.
ذهب المحقق مسرعاً، ودخل البيت، فوجد القاضي واقفاً، وبجانبه السجين، حي يرزق، يشرب كوب شاي ساخن ويبتسم.
قال القاضي وهو ينظر إلى المحقق: “الآن أنا مرتاح الضمير.
كنت قد خططت لهذه الفكرة منذ يوم المحكمة، لكن لم يكن لدي أدوات تنفيذ، ولا مساعد أمين أثق به. ولقد أرسلك الله إلي لتقوم بما لم يكن في مخططاتك أصلاً.”
“والآن، السجين ميت قانونياً، لكنه حر طليق في الحقيقة. والمتهم الحقيقي هارب لا يستطيع العودة، ولا أظن أنه سيبقى حياً طويلاً بعد أن انتهت مهمته سيتخلصون منه باي طريقة.
“واماأنت تعلمت شيئاً مهماً نظر من الشباك الصغير واسار بيده إلى فراغ امامه
:أن هناك من يتعدى على العدل والقانون بسلطة النفوذ والمال، وهذا موجود في كل البلدان، فالفساد أصبح لازمة لا تفارق الدول.” ولا المجتمعات طاعون تغلغل في احشاء الأنظمة والدولة.
لم يكن المحقق راضياً عن هذه النهاية، لكنها كانت أهون الشرين. وخروج مظلوم من السجن كان في نظره تعويضاً عن عرقلة العدالة الكاملة.
بعد أيام قليلة وبعد تفكير عميق قرر الاتي.قدم المحقق استقالته، وابتعد عن المهنة، واشتغل في عمل بعيد عن التحقيق والقضاء، وترك العدل للعادل القهار الذي لا يظلم عنده أحد.
انتهت الرواية.
الفنان محمد نابلسي
عن صفحة الفن لغة العالم





