آهات الثكالى وصوت الظلم يعلوان فوق جدران الصمت

آهات الثكالى وصوت الظلم يعلوان فوق جدران الصمت … والعدل يئن خلف أسوار رومية

بقلم ابن طرابلس طلال بلطه جي أبو ربيع

في مشهد تختلط فيه المأساة بالخذلان والحق بالضياع هذه رسالة إلى من يحكم لبنان ويقسم بالعدل والمساواة لقد مضى زمن الوصاية لكننا نتساءل بمرارة هل زال الظلم فعلاً أم أنه فقط غيّر أشكاله؟!…

إن ملف الموقوفين في السجون اللبنانية وخصوصاً في سجن رومية هو الجرح النازف الذي يفضح زيف الشعارات ويرسّخ حقيقة أن هذا الظلم وقع بشكل غير متكافئ مستهدفاً أبناء الطائفة السنية الكريمة على وجه الخصوص فالمئات من أبنائنا يعانون واقعاً مأساوياً لا مثيل له وهو دليل حيّ على أن بقايا نظام القمع لا تزال تعمل بأقصى قسوتها مستخدمة المؤسسة القضائية لتأجيل العدالة عن فئة محددة وكأن الزمن لم يتحرك منذ عهد الوصاية بل تغيّر وجهه فقط…

يتجلّى هذا الظلم بأوضح صوره في السجن الاحتياطي القاتل حيث يقضي الموقوفون سنوات طويلة كموقوفين احتياطيين دون صدور حكم نهائي بحقهم…
هذا التأخير المتعمّد والمتراكم ليس مجرد تقصير إداري بل هو ظلم مضاعف يوازي في قساوته الحكم بالسجن الفعلي إذ يتحول إلى قتل بطيء للكرامة والروح معاً وكثيرون اعتقلوا بتهم جاهزة وتحت ذرائع أمنية واسعة ارتبطت بظروف الصراع الإقليمي مما جعل هذا الاعتقال عقاباً إدارياً مسيساً يبقي المواطن السني رهينة لتوازنات القوى السياسية في وطنٍ يفترض أنه يقوم على العدالة والمساواة…

ويزداد المشهد قتامة مع استمرار محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري وهو انتهاك صارخ للعدالة لا يليق بدولة تدعي المدنية والديمقراطية، فهذه المحاكم التي كانت إحدى أدوات التسييس والضغط في مراحل سابقة ما زالت قائمة حتى اليوم تمارس سلطتها خارج منطق العدالة الحقيقية لتكرس إرثاً ظالماً وقد آن الأوان للتخلّطص منه بشكل نهائي…

ولعلّ أخطر ما في هذا الملف هو بصمة العار المتمثلة بازدواجية المعايير والتواطؤ السياسي الذي يمزق القلوب أي عدل هذا الذي يلاحق ويعتقل ويفبرك التهم ضد فئة شاركت في صراعٍ إقليمي بينما يغض الطرف عن فئة أخرى شاركت في القتال والانتهاكات خارج الحدود اللبنانية تحديداً في سوريا دون أن تفتح بحقها أي ملفات أمنية هذه المقايضة السياسية البشعة هي خيانة واضحة لمبدأ المساواة أمام القانون واستمرار لنهج الاستهداف الممنهج الذي يقسم اللبنانيين بين فئة تحاسب حتى على الشبهة وأخرى تُعفى مهما ارتكبت

ولا تتوقف المأساة عند هذا الحد فالتقارير المتعددة تؤكد أن الإفادات التي أُدين بها كثير من الموقوفين قد انتُزعت تحت وطأة التعذيب الممنهج في أقبية التحقيق ورغم وجود قانون يجرم التعذيب فإن القضاة والأمنيين المتورطين في هذه الانتهاكات لا يزالون بمنأى عن المحاسبة مستفيدين من تواطؤ قضائي أمني يشرعن الظلم ويحمي الفاسدين وهنا يتبدّى الوجه الحقيقي للانهيار الأخلاقي في مؤسسات الدولة التي تشرع القهر بدلاً من أن تنهيه..

ومع تعاقب الرؤساء وتبدل الحكومات يتبين أن غياب الإرادة السياسية هو العنوان الأبرز لهذه المأساة فاستمرار هذا الملف الإنساني دون حل ليس صدفة بل هو نتيجة تواطؤ سياسي ممنهج يبقي هذه القضية ورقة ضغط تستخدم عند الحاجة، فكم من رئيس وعد وكم من حكومة تعهدت لكن الوجع بقي على حاله والموقوفون ما زالوا ينتظرون العدالة خلف القضبان بينما أمهاتهم ينتظرن خبراً قد لا يأتي أبداً…

لقد زالت كل الذرائع ولم يبق ما يبرر هذا الظلم… إن واجب الدولة اليوم أن تنهي هذه المأساة بقرار حاسم وفوري يعيد المساواة بين اللبنانيين لا للمقايضة بدموع الأمهات وآهات الأولاد، فهذا الملف الإنساني يجب أن يعزل نهائيا عن المفاوضات السياسية والمطلوب الآن مراجعة شاملة وتسريع فوري لإجراءات القضاء من أجل إنهاء حالة الموقوفين غير المحكومين والإفراج عنهم وفقاً للقانون ،كما يجب سحب ملفات المدنيين من القضاء العسكري نهائياً ومحاسبة كل من شارك في التعذيب أو التلفيق أو التغطية على الجرائم…

وإلى جانب ذلك لا بد من إنهاء الغبن التاريخي عبر إقرار قانون عفو عام عادل ومنصف ينصف كل من سجن لأسباب سياسية أو في ظروف استثنائية كانت فيها الدولة مختطفة والإرادة مغيبة، فالعفو هنا ليس تنازلاً عن الحق بل استعادة للكرامة وإنصاف لمواطنين دفعوا أثماناً باهظة في زمن غابت فيه العدالة عن ساحات القضاء…

إن السؤال الذي يطارد الضمائر اليوم هو إلى متى يستمر هذا القتل البطيء ؟
وكيف يمكن لمن يتولى الحكم أن ينام قرير العين بينما أمهات يتألمن في كل ليلة وأطفالٍ يكبرون في غياب آبائهم وزوجاتٍ ينتظرن بلا أمل أي عدلٍ هذا الذي يترك العدل نفسه خلف القضبان؟!!

لا سلام لأي ضميرٍ حتى يطلق سراح العدل ولا استقرار لأي وطنٍ يدفن فيه الحق تحت ركام الحسابات السياسية ..فلتدركوا أن سجن رومية ليس مجرد مكان للاحتجاز بل هو قنبلة موقوتة من الظلم ستنفجر يوماً في وجه كل المتواطئين إن لم يتحرك الضمير الآن.

شارك المقال