شاكر البرجاوي

تصويت المغتربين .. بين النصّ القانوني

تصويت المغتربين .. بين النصّ القانوني

كتب شاكر البرجاوي حول:تصويت المغتربين .. بين النصّ القانوني والمصلحة السياسية

من جديد، عاد النقاش حول اقتراع المغتربين في قانون الانتخابات اللبنانية ليكشف هشاشة المنظومة التشريعية حين تُخضِع النصوص للمصالح. فقرار مجلس الوزراء، يوم الخميس الماضي، بالسماح للمغتربين بالاقتراع للـ١٢٨ نائباً، أعاد إلى الواجهة سؤال العدالة الدستورية والتمثيلية، وسؤال المنطق في توزيع الحقوق السياسية بين المقيمين والمنتشرين. إذ كيف يمكن لكتلة ناخبة في الخارج، تعيش خارج النظام الضريبي والاجتماعي اللبناني، أن تُعامَل على قدم المساواة مع المقيم الذي يعيش تبعات السياسات، ويدفع كلفة الانهيار؟
لكن الأعمق من ذلك هو ما يتجاوز المسألة التقنية إلى البنية السياسية للقانون: فالقانون النافذ ما زال يتضمّن نصاً صريحاً (المادة ١٢٢ من قانون الانتخاب رقم ٤٤/٢٠١٧) ينصّ على انتخاب ستة نواب يمثلون الاغتراب اللبناني في القارات الست. وقد جرى حينها اعتبار هذا الإصلاح خطوة باتجاه ترسيخ تمثيل اللبنانيين في الخارج كـ “دائرة مستقلة”، توازن التمثيل بين الداخل والانتشار. غير أن الطبقة السياسية، كعادتها، وجدت في النص فرصة لتعطيله حين تعارض مع مصالحها، ثم أعادت إحياءه ــ أو بالأحرى تحويره ــ حين صار يخدم حساباتها الانتخابية.
تناقض النص والقرار
القانون واضح: يحقّ للمغتربين أن ينتخبوا ستة نواب مخصّصين لتمثيلهم، لا أن يصوّتوا لكل النواب الـ١٢٨. ومع ذلك، جاء قرار مجلس الوزراء الأخير ليتجاوز النصّ من دون تعديل تشريعي في البرلمان، أي من دون المرور بالآلية الدستورية اللازمة لتعديل قانون انتخابي. وهذا خرقٌ مزدوج: خرقٌ للمبدأ الدستوري في الفصل بين السلطات، وخرقٌ لمبدأ المساواة بين الناخبين. فالمغترب الذي يعيش في باريس أو سيدني، والذي لا يخضع لأي من التزامات الدولة اللبنانية تجاه المواطنين المقيمين، صار فجأة شريكاً كاملاً في تحديد مصير دوائر لا يعرفها، وربما لا يعرف أسماء بلداتها أو تركيبتها الاجتماعية.
بعبارة أخرى، تحوّل حقّ الاقتراع إلى أداة ضغط سياسي لا إلى وسيلة تمثيل. والنتيجة أن القرار لا يكرّس العدالة الانتخابية، بل يوسّع فجوة اللاعدالة بين اللبنانيين داخل الوطن وخارجه.

الاعتبارات السياسية خلف القرار
من الواضح أن المسألة ليست تقنية ولا قانونية بحتة، بل سياسية حتى العظم. فالسماح للمغتربين بالاقتراع للـ١٢٨ نائباً يصبّ، في الحسابات الواقعية، في مصلحة القوى التي تمتلك حضوراً واسعاً في الشتات المسيحي والمستقل، أي كل القوى المعارضة للثنائي الشيعي. ولعلّ الدافع الأوضح وراء إقرار هذا البند هو محاولة خرق لوائح “الثنائي” في الدوائر الحسّاسة، خصوصاً في الجنوب وبعبدا وجبيل والبقاع. فالمغترب الذي يعيش في أميركا الشمالية أو أستراليا لا يواجه القيود نفسها التي يعيشها الناخب المُقيم على أرض لبنان، ولهذا يمكن لصوته أن يشكّل “تصحيحاً خارجياً” للتوازنات الداخلية.
من هنا، يصبح القرار السياسي بوضوح: إضعاف تأثير الكتلة الشيعية المنضبطة انتخابياً، عبر إدخال عنصر تصويتي خارجي قادر على تغيير النتائج في بعض الدوائر المغلقة.
الإشكال العملي: المرشّح تحت العقوبات
ثمّة إشكالية أخرى لا تقلّ خطورة، تتعلق بإمكانية المرشّحين أنفسهم على خوض حملاتهم في الخارج. فكيف يمكن لمرشّح من حزب الله وهو تنظيم مصنَّف إرهابياً في دول الخليج وأوروبا والولايات المتحدة – أن يزور تلك الدول لتنظيم مهرجانات أو لقاءات انتخابية؟ وكيف يمكن لجبران باسيل، الخاضع للعقوبات الأميركية بموجب “قانون ماغنيتسكي”، أن يذهب إلى نيويورك أو لوس أنجلوس لإدارة حملته الانتخابية؟
إن المساواة الشكلية في حقّ التصويت لا توازيها مساواة في الحقّ بالمنافسة. فبعض القوى يُمنع مرشّحوها فعلياً من الوصول إلى جمهورهم في الخارج، بينما يُفتح المجال أمام الآخرين بحرية. والنتيجة انتخابات غير متكافئة من حيث أدوات التعبئة والتنظيم. وإذا أضفنا إلى ذلك ضعف الرقابة في مراكز الاقتراع الخارجية، ندرك أن الحديث عن “ديمقراطية الاغتراب” يصبح مجرّد شعار سياسي لتجميل حسابات الداخل.
العدالة الانتخابية المعلّقة
العدالة الانتخابية ليست في توسيع حقّ التصويت فقط، بل في ضمان شروط متكافئة للمنافسة والتمثيل. والانتشار اللبناني، على أهميته، لا يمكن أن يتحول إلى “جبهة انتخابية” تُدار من خارج الحدود. ففكرة النواب الستة لم تأتِ عبثاً: كانت محاولة عقلانية لجعل المغترب ممثَّلاً رمزياً في البرلمان، من دون أن يُغيّر توازنات الداخل. أما اليوم، فإن القرار الحكومي الأخير يبدّل في طبيعة القانون نفسه، إذ يجعل الاغتراب امتداداً لصراعات الداخل بدل أن يكون جسراً تواصلياً معه.
وفي العمق، لا يمكن الحديث عن عدالة تصويت المغتربين من دون مساءلة الدولة عن تعاملها معهم. فالدولة التي تتذكّر المنتشرين فقط عند موسم الانتخابات، وتغفل عن حقوقهم الإدارية والاقتصادية طيلة السنوات الأربع، لا تسعى إلى تمثيلهم بقدر ما تسعى إلى استثمارهم.
خلفية دستورية غائبة
لا بد من التذكير بأن إدخال تعديلات جوهرية على قانون الانتخاب عبر مرسوم حكومي، هو مخالفة دستورية صريحة لقانون أقره البرلمان، ذلك انه ليس للحكومة أن تقوم مقام مجلس النواب . فمجلس الوزراء لا يملك صلاحية تعديل نص قانوني نافذ، بل أقصى ما يمكنه هو اقتراح تعديل وإحالته إلى المجلس النيابي. لكن في زمن انهيار المؤسسات، لم يعد هذا التمييز قائماً، إذ باتت السلطة التنفيذية تستعمل صلاحيات تشريعية مقنّعة باسم “التفسير العملي”.
هذا التعدّي على صلاحيات البرلمان لا يقلّ خطورة عن التلاعب بمبدأ العدالة الانتخابية نفسه، لأنّه يكرّس واقعاً دستورياً مشوّهاً حيث تُدار الدولة بمنطق الضرورة لا بمنطق القانون.
من العدالة إلى المصلحة
في المضمون، ما جرى يوم الخميس الماضي، ليس نقاشاً حول “حقّ المغتربين” بقدر ما هو معركة على توجيه الصوت الاغترابي. فكل فريق يقرأ الاغتراب من زاويته: من يعتبره خزاناً إصلاحياً يواجه المنظومة، ومن يراه تهديداً لمكتسباته الجغرافية والطائفية. وهكذا يتحوّل التصويت من فعل مواطنة إلى أداة صراع سياسي ــ طائفي.
النتيجة النهائية: عدالة انتخابية معلّقة، ونصّ قانوني معلّق، وتمثيل رمزي يتحوّل إلى معركة وجودية بين قوى الداخل والخارج. فالمغترب الذي كان يُفترض أن يكون مرآة للهوية اللبنانية الجامعة، صار اليوم جزءاً من ماكينة الاستقطاب نفسها، وإن من بعيد.
إن إقرار تصويت المغتربين للـ١٢٨ نائباً لا يُعيد التوازن الديمقراطي، بل يضيف طبقة جديدة من اللاعدالة إلى نظامٍ فقدَ اتّزانه منذ زمن. فالاقتراع يجب أن يكون وسيلة لربط المواطن بوطنه، لا وسيلة لفكّ ارتباط الوطن بمواطنيه.
والسؤال الذي يبقى معلّقاً بعد جلسة مجلس الوزراء هو: هل نريد فعلاً تمثيل اللبنانيين المنتشرين، أم نريد استخدامهم لتعديل موازين القوى في الداخل؟ طالما أن الجواب لا يخرج من منطق المصلحة، فإن العدالة الانتخابية ستظلّ مؤجّلة، والمغترب سيبقى ناخباً بالوكالة عن الداخل، لا شريكاً في تقرير مصيره.

Lambaba News

شارك المقال