الضمير الحيّ أساس الحرية والعدل في المجتمعات
الضمير نصير الحرية!
الدكتور جهاد نعمان
بديهيات الضمير هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. انه ينبوع الخير والسير به في مأمن من كل ضير.
من مطلبات الصلاح المنشود لحياة الحرية، في الألفة الاجتماعية، أن يقوم كل فرد وكل فئة، بأعباء ما يحتمه عليهما الواجب الاجتماعي. فمن كانت بيدهم مقاليد الأمور، ينبغي أن يكون العدل شعارهم، وأساسا لحكمهم، والظلم مكروها في عيونهم، وخارجا عن أعمالهم. وأما الباقون، فيلزمهم الخضوع لأوليائهم، وأداء الخدم المفروضة عليهم، للمصلحة العامة. بيد ان هذه العلاقات، بين الحكام والمحكومين، لا تعود بالفائدة المنشودة، إلم يكن لها ضابط يضبطها، خشية أن يجنح أولياء الأمر إلى الاستبداد، أو يرفع الشارع لواء العصيان؛ أي يجب أن يكون هناك، فوق الأدنين والأعلين، شرائع وقوانين يحترمها الجميع، كل في مقامه، وبذلك تحصل المقدمات للحرية الاجتماعية الحقّة. والحال، ليس من كفيل يحقق هذه المطلبات، سوى الضمير الحيّ. هناك أحكام أزلية تفصل بين النواميس فصلا ناشئا عن الحكمة. هناك ما هو ثابت، غير مشوب، على تعاقب الأدهار، وتطور الأحوال، أعني به النواميس الطبيعية، والسنن الإلهية. وهناك ما هو وضعي، بشري، تابع لمقتضى المكان، وظروف الزمان،
كالشرائع والقوانين المدنية. فان الدين لا يجزم فيه بشيء البتّة، بل يدع الحرية جائلة، عاملة، في حمى السلطة الشرعية. وتراه في ما ينوط بنظام الحكم، لا يظهر مأثرة طريقة على طريقة أخرى، ولا يحدّد عقيدة لا مرد لها. فلا يأمر بالحكم المطلق، أو المقيّد، أو بالجمهورية، بل يفسح المجال لكل شعب، فيختار النظام الموافق لمشاربه الاجتماعية، أو مأثوراته الوطنية. ومثل الدين في ذلك مثل البستاني الذي يصبر على الشجرة حتى أيام الموسم، فيقبل عليها وقد نضج ثمرها، فيجنيه، ويأكله يانعا، شهيا. ومن خواص الدين، للمساهمة في تحرير الشعوب، أن يبذل جهده في إيجاد الحرية المحسوسة، في الألفة الاجتماعية. وهي الحرية المدنية المتوقفة على أن يباح لكل أحد إتيان الأعمال المشروعة التي لا تجحف بحق الآخر، ولا تنزل المضرّة به.
أما أرباب الحكم من ذوي الضمائر الحيّة، فعليهم أن يتجلّوا لائقين بمقامهم، قائمين بفروضهم أحسن قيام. يتحاشون عن الشر والظلم ويمهّدون للأمة سبل الخير، والحرية المرغوبة.. ينبغي أن يضطلعوا بمعاملة الرعاة للرعية لا معاملة السادة للعبيد: معاملة الآباء للبنين. الرؤساء وكلاء لله. فنعم الوكيل من تشبّه بموكله. الأحرى بالأمة أن تصبح بمثابة أسرة. وهل يا ترى من شيء أخلق بالحرية من حالة الأبناء الخاضعين لسلطة آبائهم؟ وتلك السلطة التي منشأها المحبة والتسامح، هي فضيلة السعي في خير القريب، وخدمة مصالحه. ولئن كان بعض ذوي الشوكة والصولة، من تبعة الدين، قد اساءوا التصرف بما سلم لعنايتهم، فلم يكن ذلك من نتائج الدين، بل من وهن الطبيعة البشرية، واعتساف الحرية. وما من ملك، أو زعيم، عدل عن محجة العدل والحق، وتمادى في أعمال الظلم والجور، وإلّا وقد سبق أن نبذ وراء ظهره ضميره وحتى شرائع دينه!
النظام المنشود، ضروري لحياة الحرية المسؤولة التي تركن أولا إلى الضمير الحيّ. وهذا ما نلاحظه في نفس الآلات الصمّاء، التي لو حاول أحد دواليبها التمنع من الانقياد للدولاب الأعلى، لنشأ الاضطراب، ووقع العطل في الجهاز كله، ومن ثم، لا شيء أضرّ بروح الحرية المقدّسة لدى الإنسان من روح الاستقلال الموهوم أو الفساد الممنهج.
قد تكون حكومة ما مقتدرة، وأربابها ذوي حنكة سياسية، ولكن، لا سبيل لها إلى قيادة شعب قد خلا منه الضمير الحيّ، وفشت بين ظهرانيه الموبقات. وعليه، ان من أراد إدارة قوم، تحتّم عليه أن يعده لهذه الحالة، وبذلك يهبه الحرية الحقة.
ونسأل أخيرا: ماذا أعدّ وزراء عقول الأجيال الغائبون، من خطوات تفضي بهم إلى حضارة مثلى وتقدّم مفيد؟ والجواب الدائم: لا شيء!
أستاذ في المعهد العالي للدكتوارة





