غرفة الشمال تسبق الدولة برؤية اقتصادية رائدة
غرفة الشمال حين تسبق الرؤيةُ الدولة
في الدول الحيّة
بقلم الاستاذ ربيع مينا رئيس جمعية بناء الإنسان في طرابلس
لا تُختصر غرف التجارة والصناعة والزراعة بدور إداري أو خدماتي، بل تُشكّل العقل الإقتصادي المفكّر، وبيت الخبرة، ومنصّة الربط بين الدولة والقطاع الخاص، وبين الإقتصاد الوطني والأسواق الإقليمية والدولية. وفي العالم العربي، حيث تتفاوت التجارب، تبقى الغرف القوية تلك التي تمتلك رؤية، وإدارة، وجرأة إقتراح، لا تلك التي تكتفي بتسيير المعاملات.
من هذا المنطلق، تبرز غرفة التجارة والصناعة والزراعة في الشمال كنموذج متقدم، لا على المستوى اللبناني فحسب، بل على مستوى الغرف العربية، بعدما نجحت، برئاسة الأستاذ توفيق دبوسي ومجلس إدارتها، في ترسيخ موقعها في الصدارة، أداءً، وفكرا”، وحضورا”.
من مؤسسة محلية إلى منصة إقتصادية إقليمية لم تتعامل غرفة الشمال مع دورها كإطار جغرافي محصور، بل إنطلقت من الشمال لكل لبنان، ومن طرابلس لتخاطب المتوسط والعالم. فعبر دراسات شاملة ومفصلة، ومشاريع تنموية وإقتصادية متكاملة، وضعت الغرفة خارطة طريق واضحة للنهوض الإقتصادي، قاعدتها رفع المستوى الإقتصادي للشمال عموما”، وطرابلس خصوصا”، وصولا” إلى طرح طرابلس عاصمةً إقتصاديةً للبنان، ومنصةً متقدمة لخدمة إقتصادات شرق المتوسط.
مشاريع لم تكن يوما” شعارات، بل خططا” قابلة للتنفيذ، لم ينقصها سوى قرار سياسي يتلقفها، وحكومات تتبناها، وإدارة محلية تمتلك شجاعة الخروج من الحسابات الضيقة إلى الأفق الوطني الواسع.
قيادة تضيف إلى المؤسسة ولا تُثقلها
وما كان لهذا المسار أن يستقيم لولا أن غرفة الشمال محظوظة برئاسة الأستاذ توفيق دبوسي، الذي يتمتع بقدرة قيادية وإدارية عالية، جعلته قيمة مضافة حقيقية للمؤسسة لا عبئا” عليها. فقد أدار الغرفة بعقلية المسؤول الحريص على مواردها وإستدامتها، فبقيت بعيدة عن الأعباء التشغيلية والضغوط غير المبرّرة، وحافظت على توازنها المالي والإداري، في نموذج نادر للإدارة التي تضع مصلحة المؤسسة فوق أي اعتبار.
حيث تلتقي الرؤية بالفرص
لم تتأخر الغرفة، برئاسة الأستاذ توفيق دبوسي، في كل اللقاءات التي عقدتها مع رؤساء الجمهورية السابقين، وفخامة الرئيس العماد جوزيف عون، ورؤساء الحكومات المتعاقبة، ودولة الرئيس القاضي نواف سلام، وسفراء الدول، ورجال الأعمال والمستثمرين، عن الإضاءة على مكامن القوة التي يتمتع بها لبنان على مستوى المرافق الاقتصادية.
وقد أكدت الغرفة، بلغة الأرقام والوقائع، أن طرابلس تمتلك كل المقومات لتكون عاصمة لبنان الاقتصادية، ومنصة لخدمة اقتصادات العالم في شرق المتوسط، وأن المنطقة بحاجة إلى مرافق HUB استراتيجية، انطلاقا” من طرابلس الكبرى، تشمل مرفأً هابا، مطارا” هابا”، منصةً للنفط والغاز، معرضا” دوليا”، شبكة فايبر أوبتيك، ومدينةً تراثيةً، وهي مقومات كفيلة بأن تكون رافعة حقيقية للإقتصاد الوطني.
صمود مؤسسي في زمن الإنهيار
وبرغم السنوات الست القاسية التي مرّت على مدينة طرابلس والشمال، نتلج لإنهيار مالي وإقتصادي غير مسبوق في لبنان، وغياب شبه كامل للدولة، وتراجع ثقة داخلي وخارجي، بقيت غرفة التجارة والصناعة والزراعة في الشمال واقفة، متماسكة، ولم تتأثر على نحوٍ جوهري، بل شكّلت الإستثناء الإيجابي في مشهد عام اتّسم بالإنهيار.
لم يكن هذا الصمود وليد الصدفة، بل نتيجة سياسة إدارية حكيمة اعتمدت التخطيط والإستباق، والمؤسساتية لا الإرتجال. وبدل أن تنكفئ الغرفة تحت وطأة الأزمات، توسّعت في دورها، وطوّرت أدواتها، وحافظت على موقعها، لتتحوّل إلى حاضنة حقيقية للمجتمع الأهلي والمدني في طرابلس، ومساحة جامعة للمبادرات الجدية في المدينة.
كفاءة مؤسساتية تصنع الفارق
إلى جانب الرؤية الإستراتيجية، تمتلك غرفة الشمال بنية مؤسسية متقدمة، إذ تضم أحدث وأهم المختبرات ذات المواصفات العالمية، التي تعتمد على نتائجها مؤسسات عامة وخاصة، ما يعكس مستوى عالٍ من الثقة والمصداقية. هذا فضلًا عن سرعة إنجاز المعاملات، وتقديم كل ما يلزم لتسهيل عمل التجار ورجال الأعمال، في زمن باتت فيه البيروقراطية عائقا” قاتلا” أمام الإستثمار.
تطلّع وثقة.
من طرابلس، لا ننظر إلى غرفة التجارة والصناعة والزراعة في الشمال كمؤسسة إدارية فحسب، بل كأحد أعمدة الصمود والعقل الإقتصادي في هذه المدينة. نتطلّع إليها بثقة، ونُراهن على استمرار دورها الريادي، وعلى قدرتها في أن تكون شريكا” حقيقيا” في أي مشروع نهوض إقتصادي جدي.
نأمل أن تُمنح هذه الغرفة الفرصة الكاملة لترجمة رؤيتها إلى واقع، عبر شراكة مسؤولة مع الدولة، وإحتضان سياسي فعلي لمشاريعها، لأن طرابلس التي تمتلك هذه الرؤية وهذه الإدارة الإقتصادية لا يجوز أن تبقى على هامش القرار الإقتصادي.
فنجاح الغرفة هو فرصة لطرابلس،
وفرصة طرابلس هي فرصة للبنان.
فبناء الإقتصاد هو مدخل لبناء الدولة.





