قضية “الأمير الوهمي” تكشف خلل منظومة الحكم في لبنان
الحقيقة الثابتة في قضية (الأمير الوهمي).
كتب الأستاذ ربيع مينا
هكذا تُدار السياسة في لبنان منذ عقود متعاقبة.
هكذا بُنيت الحياة السياسية، لا على منطق الدولة، بل على منطق الصفقات، والولاءات، وإنتظار الإشارات.
هكذا تشكّلت المنظومات، منظومة تلو منظومة، فوق أنقاض دولة جرى إنهاكها عمدا”، وتفريغها من معناها، وتحويلها إلى مجرّد هيكل يُستخدم عند الحاجة ويُدهس عند المصالح.
هكذا كان يُصنع “الساسة”، لا بشرعية الناس بل بشرعية الإتصالات.
في زمنٍ كانت تُنتظر فيه المكالمات من الوصيّ السوري،
ثم في أزمنة لاحقة، صارت العيون على الهاتف بإنتظار إتصال من هنا أو هناك:
من دول عربية أو إقليمية أو دولية.
قد تتبدّل العناوين، تتبدّل الجهات، لكن العقلية واحدة:
سياسة تُدار من الخارج، وسلطة تُصاغ على قياس النفوذ، لا على قياس الوطن.
هكذا نمت الدويلات داخل الدولة،
وتحصّنت بمنظومات من القابعين على الأرصفة السياسية،
ومن المتشدّقين بالشعارات،
ومن الطامحين إلى عرش سلطة في دولة منهكة،
فاستقووا بالسلاح حينا”، وبالمال حينا”، وبالخطاب الطائفي والمذهبي حينا” آخر،
وكلّ ذلك على حساب قيام دولة حقيقية.
قضية “أبو عمر” ليست حادثة عابرة،
ولا تفصيلاً أمنيا”،
بل مرآة فاضحة لطريقة حكم،
ولنهج سياسي كامل بُني على الوهم، والخداع، وشراء الولاءات، وتدوير الوجوه ذاتها بأدوار مختلفة.
قليلون فقط مرّوا في تاريخ لبنان واستحقّوا أن يُسمّوا رجال دولة،
رجالا” كانوا إستثناءً في زمن الرداءة،
أما الغالبية، فقد وضعت يدها على مفاصل الدولة ومقدّراتها،
واستنزفتها، وفتّتتها، وبنت فوقها دويلاتها الخاصة.
اليوم، لم يعد السؤال: كيف حصل ما حصل؟
بل: إلى متى يُسمح لهذه المنظومة أن تعيد إنتاج نفسها؟
وإلى متى يُراد للبنان أن يبقى ساحة، لا دولة،
ومشروع نفوذ، لا وطن؟
هذه هي الحقيقة…
واضحة، ثابتة، ولا ريبة فيها.
أمّا في قضية أبو عمر،
فإن المسؤولية لم تعد تحتمل التأجيل أو التمييع .
على المراجع القضائية والأمنية المختصة أن تتحمّل كامل مسؤولياتها،
وبأقصى درجات الشفافية والوضوح،
وأن تضع الرأي العام اللبناني أمام الحقيقة كاملة غير منقوصة،
من هو أبو عمر؟
من صنعه؟
من حماه؟
ومن سهّل له أن يتحرّك خارج منطق الدولة، و بإسم دولة أخرى؟
إنّ هذه القضية ليست ملفًا أمنيا” يُقفل بتقرير،
ولا عنوانا” إعلاميا” عابرا”،
بل إختبار حقيقي لهيبة الدولة ولمدى قدرتها على كسر حلقة الإفلات من المحاسبة.
وأي التفاف على الحقيقة، أو طيّ للملف، أو تقطيع للمسؤوليات،
لن يكون إلا تأكيدا” إضافيًا” على أن المنظومة نفسها ما زالت تحكم،
وأن الدولة ما زالت رهينة الدويلات،
وأن العدالة ما زالت مؤجَّلة بإسم التوازنات والحسابات السياسية.
جمعية بناء الانسان
تنمية وواقع مختلف






