ربيع مينا

حين تتداعى المجتمعات… هل يبقى لرجال الدين دور

حين تتداعى المجتمعات… هل يبقى لرجال الدين دور أم يُستدعوا للزينة؟

فحين يسقط المجتمع،
لا يسقط الدين…
بل يُفضَح من تخلّى عن دوره بإسمه.

كتب الاستاذ ربيع مينا
رئيس جمعية بناء الإنسان في طرابلس والشمال

حين تتهاوى المجتمعات في مستنقعات العشوائيات، وتتفشّى الآفات، وتتكسّر الأسرة كوحدة حماية أخيرة، لا يكون السقوط عمرانيا” أو اقتصاديا” فحسب، بل يكون سقوطا” أخلاقيا” ومعنويا” قبل كل شيء.
وفي هذا المشهد القاتم، لا يعود السؤال ترفا”: أين يقف رجال الدين؟ ولماذا يغيب صوتهم؟
إن دور رجال الدين لا يُقاس بعدد المنابر ولا بطول الخطب، بل بمقدار حضورهم في لحظة الإنهيار. و تحوّل رجل الدين إلى موظف مناسبات، تسقط هيبته وتسقط معه المرجعية التي يُفترض أن تحمي المجتمع من الإنفلات.
الدور المطلوب من رجال الدين اليوم هو أن يكونوا جسرا” لا جدارا”:
جسرا” بين القيم والواقع، بين النص والناس، بين الإيمان والسلوك اليومي.
أن ينزلوا من الأبراج العالية إلى الشوارع المتعبة، إلى البيوت المكسورة، إلى المدارس المهمّشة، إلى الشباب الذين يبحثون عن معنى، لا يُقاس رجال الدين بعدد أتباعهم، بل بقدرتهم على حماية الإنسان من السقوط، وعلى أن يكونوا شهود حق لا شهود زور، وبناة وعي لا حرّاس خوف.
حين تغيب الدولة، أو تتحوّل إلى كيانٍ عاجز، يصبح رجل الدين أحد آخر خطوط الدفاع. لكن الدفاع لا يكون بالحياد، ولا بالخطاب الرمادي، ولا بالمجاملة السياسية أو الإجتماعية.
الدفاع الحقيقي هو كسر الصمت، تسمية الأشياء بأسمائها، والوقوف بوضوح في وجه الفساد، والظلم، والإستغلال، والإنحراف، مهما كان الغطاء الذي يتستّر به.
اليوم، تُترك العائلات تتفكك، ويُترك الشباب في مهبّ المخدرات والعنف واليأس، فيما يُطلب من رجال الدين الإكتفاء بالدعاء. والدعاء، وإن كان ركنا” أصيلا”، لا يعفي من المسؤولية الإخلاقية والإنسانية. فالدين لم يأتِ ليُخدّر الضمير، بل ليوقظه.
الدور المطلوب من رجال الدين اليوم هو أن يكونوا صوت المجتمع حين يُكمّم، وضميره حين يُغتال، وبوصلته حين تضيع الإتجاهات.
يحتضنوا الشباب بدل تخويفهم، وأن يكونوا جسورا” جامعة لا أدوات إستقطاب وإنقسام.
إن أخطر ما يهدّد المجتمعات المنهكة ليس الفقر وحده، بل تحويل الدين إلى غطاء للعجز أو إلى وقود للصراع. فحين يُستخدم الدين لتبرير الطائفية البغيضة، أو لتكريس الخوف، أو لحماية الفاسدين.
اليوم، نحن لا نحتاج أصواتا” تبارك الواقع، بل أصواتا” تهزّه.
ولا نحتاج خطباء فوق المنابر، بل شهود حق داخل المجتمع.
في زمن الإنهيارات الكبرى، يُحاسَب رجال الدين كما يُحاسَب سواهم:
إما أن يكونوا جزءًا من مشروع إنقاذ الإنسان وبناء المجتمع،
وإما أن يُسجَّل صمتهم كشراكة غير معلنة في السقوط.
فحين يسقط المجتمع،
لا يسقط الدين…
بل يُفضَح من تخلّى عن دوره بإسمه.

جمعية بناء الإنسان
خير الأجيال

شارك المقال