ومن تحت الركام يرتفع السؤال الذي لا يمكن تأجيله بعد اليوم: بقلم: الدكتور مصطفى قراعلي من يحكم؟ من يحاسب؟ ومن يحمي فعلاً؟ وإذا كان النظام لم يمنع هذه النهاية، فإنه يفقد مبرر استمراره بالصورة التي عرفناها.بداية زمن آخربعد التبانة، لم يعد السؤال من أخطأ، بل ماذا سيولد من هذا الألم. فالمدينة التي عبرت هذه اللحظة لم تعد كما كانت، ولا يمكن أن تُدار بالعقليات نفسها.المطلوب اليوم ليس إصلاحاً جزئياً، بل انتقال في معنى السياسة نفسه: من شرعيةٍ موروثة إلى شرعية تُبنى بالفعل، ومن تمثيلٍ مُعلن إلى ثقة تُمنح لمن يثبت أنه يحمي. فحين تفشل السياسة في منع الخطر، يصبح واجباً أن نعيد بناء السياسة.ما جرى لم يكن تفصيلاً عابراً، بل إعلاناً قاسياً عن نهاية زمن التأجيل. عندما تصل الأبنية إلى مرحلة الخطر البنيوي، يسقط معها وهم المعالجات الموضعية، ويتحوّل الانتظار إلى تواطؤ.هذه لحظة أكبر من الأشخاص والحسابات. إنها تعيد تعريف وظيفة الدولة: إمّا حماية حقيقية، أو فراغ.طرابلس تقف أمام باب جديد، باب يضع الناس فوق كل ميزان مكسور، ويجعل المسؤولية أساس الحكم لا تفصيلاً فيه.وفي مثل هذه اللحظات يسقط الحياد. البقاء داخل الأدوات التي ثبت عجزها لم يعد حذراً سياسياً، بل مشاركة في استمرار الفشل.من تحت الركام يولد المطلبفي التبانة انتهى زمن الانتظار. لم يعد ممكناً تجميل الصيغة أو تأجيل الحقيقة، لأن السلطة التي تعجز عن حماية الحياة تبدأ بفقدان شرعيتها، مهما بقيت قائمة.ومن بين الحجارة ارتفع المطلب الذي لا عودة عنه: دولة وظيفتها الأولى الحماية. ليست دولة القيد الطائفي، ولا اقتسام المغانم، ولا إدارة الأعذار، بل دولة تضع حياة الناس فوق هذه الاعتبارات التي سقطت الآن. لم يعد السؤال كيف نحافظ على التوازنات، بل كيف نحمي البشر. وما عدا ذلك من منطق المحاصصات سقط في الماضي.اليوم نصرف المال في ترميم لنؤجّل المشكلة. المطلوب أن نصرفه لننهيها. المطلوب إعادة تصميم المدينة، لا ترقيعها. لأن ترميم ما ينهار دون تغيير الشروط التي جعلته ينهار ليس حلاً، بل تأجيلٌ لسقوط جديد.هذا يعني الانتقال من ردّ الفعل – ترميم مبنى يوشك على السقوط – إلى سياسة عمرانية شاملة تعيد تعريف وظيفة المنطقة كلها، ضمن خطة واضحة لإعادة تأهيل المناطق المهددة في طرابلس، تنقلنا من منطق الترميم إلى منطق إعادة التأسيس.ما يفرضه الألم اليوم ليس شعاراً. إنه نتيجة. والنتائج لا تُؤجَّل.اختبار الدولةبعد التبانة، لم يعد النقاش عن تحسين الإدارة، بل عن معنى الحكم نفسه. الشرعية لم تعد تُقاس بقدرة الدولة على إدارة التوازنات، بل بقدرتها على حماية الناس.هنا يتحدد موقع كل مسؤول: إلى جانب الناس، أو خارج التاريخ الذي يصنعونه الآن.هذه اللحظة تضع رئاسة الجمهورية أمام مسؤولية استثنائية. ليس المطلوب تدوير الزوايا، بل نقل البلاد من منطق الانقسام إلى منطق الدولة، ومن نظامٍ يبرّر العجز إلى سلطةٍ تعتبر الحماية واجبها الأول.إنها فرصة لإعلان واضح بأن القيد الطائفي ليس حتميّاً، وأن الدستور ليس نصاً مؤجلاً، بل إطار عمل قابلاً للتنفيذ حين يتوافر القرار.المطلوب فتح الطريق نحو الدولة المدنية، حيث القانون فوق الجميع، وحيث الأمان حقّ لا امتياز.نحن أمام لحظة تأسيس فعلية. لحظة يمكن أن تعيد الثقة بين الناس ومؤسساتهم، وأن تمنح اللبنانيين سبباً ليصدقوا أن التغيير ممكن داخل الدولة لا خارجها. في مثل هذه اللحظات، تُقاس القيادة بالفعل الذي يفتح المستقبل، لا بالكلام الذي يؤجّله




