ربيع مينا

ربيع مينا يكتب: لبنان بين نزف السيادة وهستيريا الانقسام

ربيع مينا يكتب: لبنان بين نزف السيادة وهستيريا الانقسام

بناء الإنسان

_الخلاص لا يكون بإلغاء فكرة المقاومة، ولا بفرضها كأمر واقع، بل بإعادتها إلى مكانها الطبيعي، ضمن دولة، تحت سقف قرار وطني واحد، يعبر عن جميع اللبنانيين، لا عن بعضهم.

_”لبنان بين نزف السيادة وهستيريا الإنقسام حين يختطف الوطن بين منطق الدفاع ومنطق الإصطفاف”

بقلم ربيع مينا

لم يعد لبنان وطناً يعيش أزماته فحسب، بل بات ساحة تتنازعها الإنفعالات، وتتحكم بها هستيريا سياسية تفقد الدولة توازنها، وتدخل المجتمع في دوامة من القلق والضياع.
ووسط هذا المشهد المرتبك، تتكرر الإعتداءات على لبنان، لا كحدث عابر، بل كإختبار حقيقي لمعنى الدولة، ولمفهوم الدفاع، ولمدى قدرتنا على أن نكون شعباً واحداً حين يمس الوطن.
غير أن المأساة الكبرى لا تكمن فقط في الإعتداء، بل في الإنقسام الحاد حول كيفية مواجهته.
هنا، ينفجر السؤال الأخطر، هل الدفاع عن الوطن مبدأٌ جامع، أم مادة خلاف؟
من حيث المبدأ، لا يختلف اثنان على أن مقاومة أي إعتداء على الأرض والسيادة هي حقّ طبيعي ومشروع، بل واجب لا يساوم عليه. هذا حق لا يحتكره أحد، ولا يجوز أن يختصر في جهة، ولا أن يستخدم لتكريس إصطفاف سياسي.
لكن الإشكالية في لبنان لا تكمن في مبدأ المقاومة، بل في من يقرر، وكيف يقرر، وتحت أي مرجعية.
وهنا، يجب أن يكون الموقف واضحاً لا لبس فيه، الدفاع عن الوطن ليس مشروع حزب، ولا وظيفة فريق، بل مسؤولية دولة.
وأي ممارسة لهذا الدور، خارج إطار الدولة الجامعة، تبقي الباب مفتوحاً للإنقسام، مهما كانت النيات أو الشعارات.
من هنا، يصبح التمييز ضرورة وطنية، نحن مع حق لبنان في الدفاع عن نفسه، وضد أن يتحول هذا الحق إلى محور إنقسام داخلي.
نحن مع كرامة الوطن، وضد أن تستخدم هذه الكرامة لتبرير واقع يضعف الدولة أو يربك قرارها.
نحن مع السيادة، بكل معانيها، لا بسيادة مجتزأة تفسر وفق موقع كل فريق.
إن ما نعيشه اليوم هو نتيجة تراكم خطير، غياب الدولة القادرة، تعدد مراكز القرار، وإنعدام الثقة بين اللبنانيين.
كل ذلك جعل من أي حدث أمني أو إعتداء خارجي شرارة تشعل الداخل بدل أن توحده.
أما التداعيات، فهي قاسية وواضحة، وطن يعتدى عليه ولا يتوحد في الرد.
دولةٌ تفترض بها الحماية، لكنها موضع نقاش.
شعب موزع بين الخوف من العدو والخوف من بعضه البعض.
وهنا تتجلى الهستيريا السياسية بأوضح صورها، خطابات عالية، إتهامات متبادلة، وإنفعالات تدار بها أخطر القضايا، فيما يغيب العقل الذي يفترض أن يحكم.
لكن الحقيقة التي لا يمكن القفز فوقها هي أن لبنان لا يمكن أن يستمر بهذا التناقض القاتل، لا يمكن لوطن أن يكون ساحة مواجهة، وساحة إنقسام في آن معاً.
الخلاص لا يكون بإلغاء فكرة المقاومة، ولا بفرضها كأمر واقع، بل بإعادتها إلى مكانها الطبيعي، ضمن دولة، تحت سقف قرار وطني واحد، يعبر عن جميع اللبنانيين، لا عن بعضهم.
لبنان اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما:
إما أن يبقى أسير الهستيريا والإنقسام، حيث كل إعتداء يتحول إلى فتنة داخلية،
وإما أن يستعيد وعيه، فيفصل بين الحق الوطني الجامع، وبين استثماره السياسي الضيق.
فالوطن، حين يعتدى عليه، لا يختطف، ولا يحتكر الدفاع عنه، بل يحمى بإجماع لا يقصي أحداً، ولا يخضع أحداً.
بناء الإنسان
ربيع مينا

شارك المقال