ربيع مينا

ربيع مينا يكتب: كيف أقنع أبنائي بحب وطن يخذلنا؟

ربيع مينا يكتب: كيف أقنع أبنائي بحب وطن يخذلنا؟

لا ككاتب ولا كمتحدث، بل كأب،

بقلم الاستاذ ربيع مينا رئيس جمعية بناء الانسان في طرابلس

بكل صدق، من أعماق جرح، و للتاريخ، إن كان لنا في العمر بقية.
بكل حزن و ألم يعتصر داخلي كمواطن لبناني من طرابلس ربيع مينا، أكتب بصوت أب يفتش عن وطن، في زمن تاهت فيه المعايير، وتكسرت فيه المعاني على صخور الواقع القاسي، أقف اليوم لا ككاتبٍ ولا كمتحدث، بل كأب يسائل نفسه قبل أن يسائل هذا الوطن كيف أزرع في قلوب أبنائي حب أرض يرونها كل يوم تستباح؟
كيف أعلمهم الإنتماء لوطن يراهم ولا يراعيهم، يسمع أنينهم ولا ينصفهم؟
نشأت على أن الوطن كرامة، وأن الدولة عدل، وأن الإنسان فيها قيمةٌ لا تمس. تربيت على أن العدالة ليست شعارا”، بل ميزان يقام، وأن الحقوق لا تستجدى بل تصان. لكنني اليوم، وأنا أنظر في عيون أبنائي، أجدني عاجزا” عن تفسير هذا التناقض المؤلم ماذا أقول لابن تعب ودرس، فوجد الأبواب موصدة؟
كيف أقنعه أن المستقبل هنا، وهو يرى الحاضر ينهار أمامه؟
ماذا أقول لأطفالي الصغار، وهم يرون أباهم يركض في دوامة الأيام، يسابق الساعات ليؤمن لقمة العيش، يستهلك عمره في معركة البقاء، لا في صناعة الحياة؟
كيف أزرع فيهم حب وطن، وهم يشاهدون على الشاشات صباحا” ومساء مشاهد الإنقسام، ووجوها” أنهكت البلاد، وقوى تأكل الأخضر واليابس، حتى سقطت هيبة الدولة، واهتزت قيمة الإنسان؟
أيها الوطن، لسنا جاحدين، ولسنا ناكرين لجميل الأرض التي إحتضنتنا، ولكن الحب لا يبنى على الألم وحده، ولا يغذى بالخذلان. الحب يحتاج إلى عدل، إلى أمان، إلى أفق يرى، لا إلى سراب يلاحق.
نحن لا نطلب، المستحيل نطلب وطنا” لا يخذل أبناءه، دولة لا تساوم على كرامة شعبها، عدالة لا تفرق بين مواطن وآخر، وعيشا” كريما” لا يكون فيه الأب أسير القلق، ولا الإبن رهينة المستقبل المجهول.
أيّها السادة في مواقع القرار إن أخطر ما نعيشه اليوم ليس العدوان وحده و لا الفقر وحده، ولا الإنقسام وحده، بل هذا التآكل الصامت في إيمان الناس بوطنهم. حين يعجز الأب عن إقناع أبنائه بحب الوطن، فهذه ليست أزمة عائلة بل أزمة وطن بأكمله.
نكتب لا لنشكو ضعفا”، بل لنصرخ حقا”. نكتب لا لنستجدي شفقة، بل لنطالب بكرامة. نكتب لأننا ما زلنا نؤمن أن هذا الوطن يستحق أن ينقذ، وأن أبناءنا يستحقون أن يحبوه دون تردّد، دون خوف، دون خيبة.
فإما أن تعود الدولة دولة، وإما أن نخسر الجيل الذي لم يعد يرى فيها ما يحب، هذا الوجع الذي لا يقال كاملا”، نقولها بصدق لا يساوم إن الأوطان لا تورث حبا’ بالكلمات، بل تبنى عدلا” في النفوس، وتزرع كرامة في الحياة. فإن أردتم أبناء يعشقون هذا الوطن، فأعيدوا له وجهه الذي نعرف، وجه العدالة، وجه الدولة، وجه الإنسان، نحن لا نعلم أبناءنا أن يحبوا الخراب، ولا أن يتعلقوا بوهم، بل نعلمهم أن الحب مسؤولية، وأن الإنتماء موقف. فإن صلح الوطن، صلح الحب فيه، وإن فسد، أصبح الحب فيه وجعا” يورّث جيلا” بعد جيل.
فإعلموا، أن القلوب إذا انكسرت لا تجبرها الشعارات، وأن الكرامة إذا مست لا تعيدها الخطب، وأن الأجيال إذا فقدت ثقتها، فلن تعيدها إلا أفعال تشبه الحلم الذي كبرنا عليه.
فإما أن نحيي في هذا الوطن معنى الحياة، وإما أن نترك في صدور أبنائنا سؤالا”، كيف نحب وطنا” لم يحبّنا يوما”؟
وحينها، لن يكون الصمت حيادا”، بل شهادة على زمن سقط فيه كل شيء

شارك المقال