د. رباب وهبي: التهجير استراتيجية عسكرية في الجنوب
نبذة عن الكاتبة
رباب يوسف وهبي
باحثة وأكاديمية لبنانية، دكتورة في التاريخ الحديث والمعاصر والعلاقات الدولية من جامعة بيروت العربية – لبنان.
أستاذة تاريخ في ملاك التعليم الرسمي الثانوي، وكاتبة في الشؤون السياسية والتاريخية وقضايا التحول في الشرق الأوسط.
“حين يصبح التهجير استراتيجية عسكرية”
بقلم الدكتورة رباب يوسف وهبي
لا يمكن قراءة المشهد الراهن في جنوب لبنان بمعزل عن محاولة ممنهجة لإعادة صياغة هوية المكان ووظيفته، حيث تتجاوز العمليات العسكرية فكرة تأمين الحدود لتصل إلى حدود هندسة الفراغ. فما نشهده اليوم ليس مجرد مواجهة بين جيش وقوة مسلحة، بل هو صدام مباشر مع مقومات الحياة السوية لمجتمعات بأكملها. لقد انتقلت العقيدة العسكرية الإسرائيلية من السيطرة الميدانية المباشرة عبر الاحتلال التقليدي، إلى السيطرة بالنار وإحالة القرى والبلدات إلى مساحات غير قابلة للسكن، وهو ما يمثل ذروة القسوة في إدارة الصراع.
وفي هذا السياق، يكتسب توصيف هذه الممارسات أهمية خاصة في ضوء القانون الدولي الإنساني، ولا سيما ما نصّت عليه اتفاقيات جنيف التي تحظر التهجير القسري للسكان المدنيين واستهداف البنى التحتية الضرورية لبقائهم، وهو ما يفتح الباب أمام توصيف هذه الأفعال بوصفها انتهاكات قد ترقى إلى مستوى العقاب الجماعي.
إن هذا التحول يعكس رغبة في فرض واقع أمني جديد عبر تدمير الركائز الاجتماعية والاقتصادية للجنوب. فحين تُستهدف البنية التحتية الحيوية، من شبكات مياه وكهرباء وطرق وجسور، لا يعود الهدف عسكرياً بحتاً، بل يصبح ضرباً للعقد الاجتماعي الذي يربط الإنسان بأرضه. هذا التدمير الممنهج يحوّل القرى من حواضر نابضة بالحياة والإنتاج الزراعي والتجاري إلى مناطق طاردة، مما يضع مئات آلاف النازحين أمام معضلة وجودية تتجاوز لحظة القصف لتشمل مستقبل العودة وإعادة الإعمار.
ولا يبدو هذا النمط معزولًا، بل يتقاطع مع ما شهدناه سابقًا في قطاع غزة، حيث تحوّل التدمير الممنهج للبنية التحتية إلى أداة لإنتاج فراغ بشري يخدم اعتبارات أمنية. ففي الحالتين، لم يعد الهدف مقتصرًا على تحييد تهديد عسكري مباشر، بل امتد ليطال مقومات الحياة ذاتها، من مياه وكهرباء وطرق ومساكن، بما يؤدي إلى تفكيك البيئة الحاضنة للسكان ودفعهم نحو النزوح القسري. كما تتجلى أوجه التشابه في اعتماد نموذج من السيطرة عن بُعد، حيث تُدار الأرض بالنار لا بالحضور العسكري المباشر، وهو ما يسمح بفرض واقع ميداني دون تحمّل تبعات الاحتلال التقليدي، مع الإشارة إلى اختلافات تتصل بالكثافة السكانية وطبيعة الحصار والسياق السياسي.
ومن الناحية الاقتصادية، يمثل هذا النهج عملية إفقار قسري متعمدة، فالجنوب ليس مجرد تضاريس، بل هو سلة غذائية ودورة اقتصادية تعتمد على الأرض. وإفراغ هذه الأرض من سكانها يعني خنق الموارد المحلية وضرب الاستقرار المعيشي للعائلات التي استثمرت عقوداً في بناء بيوتها ومزارعها. هذا النوع من الاحتلال غير المرئي يمارس سطوته عبر الحرمان والمنع، حيث تكتفي إسرائيل بالتحكم في المجال الجوي والناري لضمان بقاء الأرض مشلولة، دون الحاجة لتحمل الكلف السياسية أو القانونية للاحتلال المباشر. كما تشير تقديرات ميدانية متقاطعة إلى أن تدمير البنية التحتية وتعطيل القطاعات الإنتاجية في المناطق الحدودية يؤديان إلى خسائر كبيرة في الدورة الزراعية والتجارية، ويضعان آلاف العائلات أمام انقطاع مصادر دخلها، ما يعمّق من ظاهرة الإفقار القسري ويجعل العودة أكثر تعقيدًا حتى بعد توقف العمليات العسكرية.
أمّا اجتماعياً، يؤدي هذا الضغط الهائل إلى تصدعات عميقة في النسيج الوطني، حيث يتحول التهجير من حالة مؤقتة إلى واقع مفروض يثقل كاهل الدولة والمجتمعات المضيفة، ويخلق أزمات تعليمية وصحية وإسكانية متلاحقة. إن محاولة تحويل جنوب لبنان إلى منطقة عازلة من البشر هي في جوهرها عقاب جماعي يضرب الحقوق الأساسية في الاستقرار والأمن الشخصي، ويحاول نزع صفة المجتمع عن القرى الحدودية لتحويلها إلى مجرد أهداف على الخريطة.
ومن الناحية الإنسانية، لا تقتصر الأزمة على الأرقام، بل تتجسد في قصص يومية لنازحين فقدوا بيوتهم ومصادر رزقهم، حيث تتحول تجربة النزوح إلى حالة من القلق الوجودي المرتبط بمجهول طويل الأمد، يتجاوز فقدان المأوى إلى فقدان الإحساس بالاستقرار والانتماء.
كما أنّ المراهنة على تحقيق أمن المستوطنات الاسرائيلية في الشمال عبر اقتلاع المجتمعات وتدمير بيئتها الحيوية هي مراهنة خاسرة تاريخياً. فالفراغ الذي يخلفه الرصاص لا يتحول إلى سلام، بل يصبح مساحة لنمو إحباطات وانكسارات قابلة للانفجار في أي لحظة. إن الأمن الحقيقي لا يُبنى على أنقاض البيوت المهدمة أو في ظل غياب البشر، بل في استقرار المجتمعات وازدهارها. وما يجري اليوم هو محاولة لفرض هدنة النار التي تلغي الإنسان من الحسابات، وتجعل من الجغرافيا اللبنانية ساحة لتجارب القوة التي لا تحصد في النهاية سوى مزيد من التوتر والعداء.
وفي إطار أوسع، يمكن فهم ما يجري ضمن مقاربة الجغرافيا السياسية والأنثروبولوجيا السياسية، حيث لا تُدار الصراعات فقط عبر السيطرة على الأرض، بل عبر إعادة تشكيل علاقتها بالإنسان، بما يحوّل هندسة الفراغ إلى أداة لإعادة تعريف المكان ووظيفته ضمن معادلات القوة.
وعليه، تكشف هذه المقاربة عن نمط متكرر في إدارة الصراع، حيث تتحول الجغرافيا إلى أداة ضغط، والسكان إلى متغير قابل للإزاحة، في إطار سياسات لا تسعى إلى تحقيق الاستقرار بقدر ما تعيد إنتاج الهشاشة، وتؤسس لدورات جديدة من التوتر بدل إنهائها.





