رباب يوسف وهبي

د. رباب وهبي: المنصات الافتراضية تفتت النسيج اللبناني

د. رباب وهبي: المنصات الافتراضية تفتت النسيج اللبناني

نبذة عن الكاتبة

رباب يوسف وهبي
باحثة وأكاديمية لبنانية، دكتورة في التاريخ الحديث والمعاصر والعلاقات الدولية من جامعة بيروت العربية – لبنان.
أستاذة تاريخ في ملاك التعليم الرسمي الثانوي، وكاتبة في الشؤون السياسية والتاريخية وقضايا التحول في الشرق الأوسط.

“السيادة على أنقاض الهوية.. كيف تفتت المنصّات الافتراضية ما تبقى من النسيج اللبناني؟”
بقلم د. رباب يوسف وهبي
​لم يعد لبنان اليوم بحاجة إلى دويّ المدافع ليعلن استمرار حربه الأهلية، فقد وجدت هذه الحرب مستقراً جديداً لها خلف تلك الشاشات الصغيرة التي حولت المواطن إلى قناص رقمي بدم بارد. ما نشهده اليوم ليس مجرد صخب افتراضي أو تباين في وجهات النظر، بل هو عملية تمزيق ممنهجة لما تبقى من الذاكرة المشتركة، حيث استُبدلت خطوط التماس الجغرافية بحدود نفسية ترسمها خوارزميات الكراهية. في هذا الفضاء المنفلت، سقطت هيبة الخبر أمام طغيان الموقف، وصار اللبنانيون لا يقرأون الحدث بل يقرأون فيه انتماءاتهم، لينقسم الفضاء الافتراضي فوراً إلى معسكرات حربية لا تعرف الأسرى، بل تعرف فقط التخوين أو الإلغاء.
​لقد أعدمت هذه الحرب الرقمية المنطقة الرمادية في عقل الإنسان اللبناني، فلم يعد هناك متسع لصوت ثالث أو رؤية نقدية هادئة.
فأنت في اختبار ولاء دائم، فإما أن تذوب في خطاب المحور الذي تنتمي إليه بالكامل، أو أنك خائن وعميل في نظر الطرف الآخر. هذا المنطق الإقصائي جعل من تهم العمالة والصهينة والارتهان عملة يومية تُتداول بسهولة مرعبة، وكأن الكلمة التي تنطلق بكبسة زر لا تخلف وراءها دماراً يوازي دمار القذيفة. والأخطر من ذلك كله هو تلك الشماتة التي تبرز في لحظات الانكسار الإنساني، حين يتلذذ البعض بأوجاع النزوح أو القصف تحت ذريعة الحسابات السياسية، مما يحول مأساة الشريك في الوطن إلى مادة للتشفي الرقمي، وهو ما يقتل التضامن الوطني في مهده ويحول الشوارع إلى برميل بارود ينتظر شرارة منشور عابر ليتحول إلى اعتداء جسدي حقيقي.
​إننا لا نواجه مجرد انفلات في الخطاب، بل نواجه إعادة إنتاج لأبشع ما في الحرب الأهلية من إلغاء معنوي للآخر قبل إلغائه جسدياً. هذه الجدران النفسية التي تُبنى اليوم بين المناطق والطوائف خلف الشاشات، هي جدران صماء قد تعجز أجيال قادمة عن هدمها، لأنها لا تُبنى بالحجارة بل بالحقد الموثق باللايك والمشاركة. إن الحوار الوطني في لبنان اليوم بات مجرد وهم تقني، بينما الواقع يشير إلى أننا نغرق في لغات كراهية مختلفة، حيث يختبئ الجميع خلف هوياتهم الضيقة ليطلقوا النار على بعضهم البعض، بينما ينهار الهيكل فوق رؤوس الجميع دون استثناء، تاركاً خلفه وطناً يفتته أبناؤه وهم يظنون أنهم ينصرونه في معارك افتراضية وهمية.

شارك المقال