د. رباب وهبي: اللبناني يدفع ثمن صراعات عواصم القرار
نبذة عن الكاتبة
رباب يوسف وهبي
باحثة وأكاديمية لبنانية، دكتورة في التاريخ الحديث والمعاصر والعلاقات الدولية من جامعة بيروت العربية – لبنان.
أستاذة تاريخ في ملاك التعليم الرسمي الثانوي، وكاتبة في الشؤون السياسية والتاريخية وقضايا التحول في الشرق الأوسط.
“الوطن المعلق…عندما يصبح اللبناني غريباً في حسابات السياسة”
بقلم: د. رباب يوسف وهبي
لم تعد تلك السطور التي تطالعنا بها الصحف اللبنانية كل صباح مجرد وصف لأحداث أمنية أو سياسية عابرة، بل هي في الحقيقة صرخة تعكس عمق التيه الذي يعيشه البلد. نحن اليوم أمام مشهد معقد، يتداخل فيه الأمني بالسياسي، والمعيشي بالإنساني، ليرسم صورة دولة تفقد تدريجياً قدرتها على الإمساك بزمام المبادرة. المشكلة الأساسية تكمن في أن القرار الوطني اللبناني بات اليوم رهينة لتجاذبات إقليمية كبرى، يجد اللبنانيون أنفسهم فيها مجرد متفرجين على مصيرهم، دون أن يكون لهم رأي فاعل في مسار الأحداث التي تعصف ببلدهم.
على المستوى السياسي والسيادي، يواجه لبنان اختباراً هو الأصعب في تاريخه الحديث. فالانقسام الداخلي لم يعد مجرد اختلاف في وجهات النظر حول إدارة الدولة، بل تحول إلى شرخ عميق حول مفهوم السيادة نفسها. هناك صراع صامت وأحياناً معلن بين منطق الدولة التي تحاول استعادة هيبتها وقرارها عبر مؤسساتها الدستورية، وبين منطق الميدان الذي تفرضه موازين القوى والتطورات الخارجية. هذا الواقع خلق حالة من ازدواجية السلطة، حيث تبدو الدولة الرسمية في كثير من الأحيان وكأنها عاجزة عن ترجمة تطلعات شعبها، مما يكرّس صورة لبنان كساحة لتصفية الحسابات بدلاً من أن يكون وطناً سيداً مستقلاً.
أما المأساة الحقيقية فتتجلى في البعد الإنساني الذي يعيد إنتاج نفسه مع كل هزة أمنية. عودة موجات النزوح من القرى والبلدات الجنوبية نحو مناطق أخرى ليست مجرد انتقال جغرافي، بل هي اقتلاع للأمان من نفوس العائلات التي أُنهكت على مدار عقود. المواطن اللبناني الذي لم يكد يلملم جراحه من الأزمات الاقتصادية والمعيشية، ومن حرب ال 2024، يجد نفسه اليوم يواجه من جديد قلق الرحيل القسري. هذا النزوح يعيد إلى الأذهان ذكريات الحروب الأليمة، ويخلق حالة من الضياع الجماعي، حيث يشعر الفرد أن مستقبله، وتعليم أبنائه، وحقه في الاستقرار، كلها أمور معلقة بانتظار قرارات كبرى تُتخذ في عواصم بعيدة، بمعزل عن آلامه اليومية واحتياجاته الأساسية.
هذا الضغط الإنساني والسياسي يترافق مع اختناق اقتصادي غير مسبوق. فالدولة التي تعاني أصلاً من انهيار مالي وتآكل في قيمة عملتها، تجد نفسها اليوم في وضع لا تحسد عليه، فإيراداتها في تراجع مستمر، والجباية معطلة في كثير من المرافق، والقدرة على تأمين الخدمات الأساسية تتآكل يوماً بعد يوم. ومع كل توتر أمني جديد، تهتز الثقة الضعيفة أصلاً في الأسواق، فيتردد المستثمرون ويصاب القطاع السياحي والتجاري بالشلل، مما يعني مزيداً من الفقر والبطالة. إنها حلقة مفرغة من الخسائر، حيث تدفع القطاعات الإنتاجية ثمن غياب الاستقرار السياسي والأمني.
لكن الجانب الأكثر خطورة في كل ما يجري هو التآكل التدريجي لروح الانتماء والثقة بالمؤسسات. حين يصل المواطن إلى قناعة بأن دولته لا تملك سلطة القرار، وبأن رزقه وأمانه مرتبطان بتفاهمات خارجية، يحدث انهيار معنوي يفوق في خطورته الانهيار المالي. الدول يمكنها أن تعوض خسائرها المادية مع الوقت، لكنها تجد صعوبة بالغة في ترميم جسور الثقة المفقودة بين الناس ومؤسساتهم الوطنية. نحن اليوم لا نعيش مجرد أزمة سياسية عابرة، بل نحن أمام لحظة تاريخية مفصلية، فإما أن ينتصر منطق الدولة والمصلحة الوطنية العليا، وإما أن يستمر لبنان في كونه الساحة التي يدفع فيها اللبنانيون أثماناً باهظة لصراعات لا تنتهي، مما يؤدي الى تآكل الوطن وحضور الميدان وضياع أكثر فأكثر للناس.






