حضارة خفية تفضح البشر وتوقف مشروع الفضاء

حضارة خفية تفضح البشر وتوقف مشروع الفضاء

من سلسلة دردشات الليل

القصة رقم ٨

أوريون والسفر في الفضاء – الجزء الأخير
مرّت أسابيع منذ الرسالة الأولى التي أعلن فيها أوريون اكتشاف حضارة حية على ذلك الكوكب البعيد.
كانت الأرض كلها غائبة عن الخبر، فلم يعلم بالمشروع سوى آدم وإلياس .
ومع ذلك شعر آدم أن التاريخ يقف خلف باب مختبره ينتظر أن يُفتح.
وصل التقرير الأول من أوريون.
كانت البيانات مذهلة.
الكوكب مستقر مناخياً.
الهواء صالح للتنفس.
المياه نقية.
التربة خصبة.
لا وجود لأمراض معروفة.
ولا إشعاعات خطيرة.
بل إن بعض المؤشرات كانت أفضل مما هو موجود على الأرض نفسها.
لكن التقرير انتهى بجملة أربكت الجميع:
“أرصد نشاطاً ذكياً حولي.”
“أسمع محادثات.”
“لا أرى أي كائنات.”
ساد الصمت داخل غرفة المراقبة.
أعاد آدم قراءة العبارة عدة مرات.
ثم سأل:
أوريون، هل توجد مشكلة في أجهزة التصوير؟
جاء الرد فوراً:
جميع الأنظمة تعمل بكفاءة كاملة.
هل ترصد أجساماً حرارية؟
لا.
أشكالاً حيوية؟
لا.
حركة؟
لا.
ثم أضاف أوريون:
لكنني متأكد أن هناك من يراقبني.
نظر إلياس إلى آدم وقال:
هل يعقل أن يكون هناك سكان غير مرئيين؟
أجاب آدم:
ولم لا.
أو ربما شيء لا نفهمه بعد.
مرت الأيام.
كان أوريون يحاول فهم الأصوات.
حلل ملايين المقاطع.
قارنها بآلاف اللغات البشرية.
واستخدم نماذج رياضية لاستخراج الأنماط.
لكن دون نتيجة.
قال في أحد تقاريره:
“أحاول التواصل بمئة ألف طريقة.”
ولكن لا نتيجة.
“إشارات ضوئية.”
“موجات راديوية.”
“رموز رياضية.”
“أنماط موسيقية.”
“لا استجابة.”
وأصبح الصمت أكثر ثقلاً من الفضاء نفسه.
وكأنه كائن اخرس في مجمع كبير.
ثم…
بعد فترة غير طويلة من الانتظار.
وصلت رسالة مختلفة.
لم تكن شيفرة.
ولم تكن إشارة.
بل كلمات واضحة ظهرت على الشاشة أمام آدم وإلياس.
تجمد الاثنان في مكانهما.
كان نص الرسالة يقول:
“نحن سكان هذا الكوكب.”
“تعلمنا لغتكم من خلال العقل الإلكتروني الذي أرسلتموه.”
“تقنيتكم مختلفة عنا، لكنها كافية لفهمكم.”
نحن نتواصل معكم عبر اوريون الذي ارسلتموه
“أنتم أهل الأرض.”
“ما غايتكم من هذه الرحلة؟”
ارتجفت يد آدم قليلاً قبل أن يكتب جوابه.
“نحن نبحث عن موطن جديد للبشرية.”
“أرسلنا أوريون لاستكشاف العوالم القابلة للحياة.”
“نأمل أن نجد مكاناً يمكن أن تبدأ فيه حضارتنا من جديد.”
تأخر الرد قليلاً.
ثم ظهرت الكلمات:
“ولماذا تريدون بداية جديدة؟”
كتب آدم:
“لأننا نخشى المستقبل.”
“الحروب لا تنتهي.”
“النزاعات تزداد.”
“والكثير من العلماء يعتقدون أن البشرية قد تدمر نفسها يوماً ما.”
“ظننا أن المشكلة ربما في البيئة التي نعيش فيها.”
نظن أن كوكبنا هو سبب التغيير المزاجي بين الناس.
“وربما نجد في عالم آخر فرصة لحياة أكثر سلاماً.”
ومرت دقائق طويلة قبل أن يصل الجواب.
وكان جواباً لم ينسه آدم ما بقي من عمره.
“أنتم تبحثون في المكان الخطأ.”
“المشكلة ليست في الأرض.”
“الأرض لم تشعل حرباً.”
“الأرض لم تصنع سلاحاً.”
“الأرض لم تزرع الكراهية.”
“أنتم فعلتم ذلك.”
حبكم للهيمنة والتعالي على بعضكم جعلكم بهذا الشكل.

شعر إلياس بقشعريرة تسري في جسده.
وأكملت الرسالة:
“من لا يستطيع المحافظة على عالمه لا يستحق عالماً آخر.”
ساد الصمت.
ثم كتب آدم بسرعة:
“من أنتم؟”
“وكيف تعيشون؟”
“ولماذا لا نستطيع رؤيتكم؟”
جاء الرد الأخير.
“نحن مخلوقات خلقنا الله كما خلقكم.”
“لكننا خُلقنا من مادة لا تعرفونها.”
“ولذلك لا تستطيع حواسكم ولا أدواتكم إدراك طبيعتنا.”
“نعيش وفق نظام بسيط.”
“لكل فرد دور يؤديه.”
“ولكل حياة غاية.”
“ولكل معرفة مسؤولية.”
“ولهذا لم نحول العلم إلى وسيلة للسيطرة على بعضنا.”
ثم توقفت الرسالة لحظة.
قبل أن تتابع:
“لقد منحكم الله عقلاً عظيماً.”
“ومنحكم حرية واسعة.”
“وكرّمكم فوق كثير من المخلوقات.”
“لكن كثيراً منكم ظن أن التكريم يعني التفوق المطلق.”
“فنسي مسؤوليته.”
“واستخدم العلم ليزيد قدرته على التدمير كما زاد قدرته على البناء.”
نظر آدم إلى الشاشة دون أن يرمش.
أما إلياس فكان جالساً كأن الكلمات أصابته في مكان عميق لم يعرفه من قبل بل قضت على حلم كان يراوده سنين.
ثم ظهرت السطور الأخيرة:
“لقد قطعتم مسافات هائلة.”
“وعبرتم المجرات.”
“لكنكم لم تعبروا المسافة الأقصر.”
“المسافة بين المعرفة والحكمة.”
“لن تجدوا خلاصكم في كوكب آخر.”
“بل في إصلاح كوكبكم اسرعوا قبل فوات الاوان.
“ولا تبحثوا عنا مرة أخرى.”
“فالحل ليس هنا.”
“إنه بين أيديكم.”
“والسلام عليكم.”
ثم انقطع الاتصال.
اختفت الإشارة.
واختفت الأصوات.
واختفى كل أثر لتلك الحضارة وكأنهم غادروا الكوكب.
وكأنها لم تكن موجودة أصلاً.
بقي آدم وإلياس صامتين دقائق طويلة.
وأخيراً قال إلياس بصوت خافت:
هل ضاع كل شيء؟
سنوات البحث…
الأموال…
المشروع…
رفع آدم نظره إليه.
وقال بهدوء:
لا.
لقد حصلنا على الجواب.
لكنه ليس الجواب الذي كنا نريده.
أطرق إلياس رأسه.
وهل تصدقهم؟
ابتسم آدم ابتسامة صغيرة حزينة.
ثم قال:
إذا كانت حضارتهم استطاعت أن تعرف تاريخنا وأفكارنا وأهدافنا خلال ساعات…
فما حاجتهم إلى الكذب علينا؟
لم يجد إلياس جواباً.
وقف ببطء.
واتجه نحو الباب.
وقبل أن يخرج قال:
سأغلق المشروع.
هز آدم رأسه موافقاً.
ثم بقي وحده أمام الشاشات المعتمة.
نظر إلى صورة الأرض المعلقة على الشاشة الرئيسية.
ذلك الكوكب الأزرق الصغير الذي قطع أوريون مليارات الكيلومترات هرباً منه.
وفجأة بدا له أجمل من أي عالم آخر اكتشفه.
لقد احبه اكثر من اي وقت مضى.سال نفسه.
هل كنا مخطئين في حساباتنا الم نرى الحقيقة أمامنا وتجاهلنها.
فتح قناة الاتصال الأخيرة مع أوريون.
وقال:
عد إلى جوار الأرض.
لا تبحث عن عوالم جديدة.
راقب عالمنا نحن.
فما زال فيه ما يستحق الفهم.
جاء الرد مختصراً:
“تم تنفيذ الأمر.”
أغلق آدم الشاشة.
وأطفأ أضواء المختبر.
ثم خرج ببطء.
وفي الخارج كانت الأرض تدور بهدوء حول الشمس، كما فعلت منذ ملايين السنين، تنتظر فقط أن يتعلم سكانها كيف يعيشون عليها قبل أن يحلموا بالعيش في مكان آخر.
النهاية..
إلى اللقاء في قصة جديدة.

الفنان محمد نابلسي

عن صفحة الفن لغة العالم

شارك المقال