محمد نابلسي يكتب “ماسح الهموم”: ذكاء اصطناعي يمحو 45 سنة

محمد نابلسي يكتب “ماسح الهموم”: ذكاء اصطناعي يمحو 45 سنة من حياة عالم

من سلسلة دردشات الليل

القصة رقم ١٠

ماسح الهموم
في مختبره الذي تفوح منه رائحة القهوة المحترقة والأسلاك المذابة، وقف البروفيسور “آدم” ينظر بفخر إلى اختراعه العظيم: جهاز “نيرفانا-900”.
لم يكن الجهاز مجرد آلة، بل كان المخلص!
خوذة غريبة الشكل موصولة بشاشة عملاقة، وظيفتها بسيطة للغاية: تدخل إلى دماغك، تبحث عن تلك الذكرى المخزية عندما قلبت فنجان القهوة على مديرك في العمل، (طردت,)أو عندما ناديت معلمتك “ماما” في الصف الخامس، وتقوم بمسحها تماماً أو أي شيء مزعج في ذكرياتك.
أو على الأقل، تبرد المشاعر المصاحبة لها لتصبح ببرود القطب المتجمد.
نجح المشروع نجاحاً باهراً. طوابير البشر امتدت أمام مختبره. هذا يريد نسيان حبيبته السابقة، وتلك تريد مسح نهاية موضوع أفسد طفولتها. وبصفته العالم الإنساني العظيم، كان آدم يستمع لكل مريض، يحلل مشاعره، ثم يضبط الجهاز للعمل.
(بداية الكابوس): عندما يغرق صانع الفرح في الحزن
لكن، لكل نجاح ضريبة. بعد أشهر من العمل المتواصل، وجد آدم نفسه في ورطة لم يحسب لها حساباً. لقد تحول إلى “إسفنجة” بشرية تمتص نكد البشرية جمعاء!
كل تلك الأحاسيس المزعجة، والقصص الحزينة، والذكريات المشحونة بالبؤس التي كان يحللها يومياً، تسللت إلى وعيه الباطن. انقلبت حياته رأساً على عقب:
النوم: أصبح رفاهية من الماضي. كلما أغمض عينيه، يرى كوابيس سريالية؛ تارة يرى نفسه يغرق في بحر من الدموع، وتارة يطارده فستان زفاف يبكي!
الهالات السوداء: نمت تحت عينيه هالات مرعبة لدرجة أن انعكاس صورته في المرآة كان يخيفه هو شخصياً.
الحالة النفسية: أصبح يرتجف إذا رأى علبة مناديل ورقية، لأنها تذكره بدموع زبائنه.
هنا دخلت خط المسرحية الدرامية. مساعدته الذكية، الدكتورة “سارة”، أخصائية علم النفس الرصينة. نظرت إليه ذات صباح وهو يحاول تحريك قهوته بقلم رصاص بدل الملعقة، وقالت بنبرة حاسمة:
“بروفيسور آدم، أنت تنهار.
صانع السعادة لا يمكنه العيش في هذا البؤس. عليك أن تستخدم اختراعك على نفسك. امسح هذه الفترة من حياتك واستعد نومك المريح!”
(المؤامرة الرقمية:) تسليم المفاتيح لـ “إيفا”
هز آدم رأسه موافقاً، لكن واجهته مشكلة تقنية: هو الشخص الوحيد في العالم الذي يعرف شفرات تشغيل “نيرفانا-900” وتوجيه النبضات العصبية بدقة. سارة، رغم ذكائها، قد تمسح بالخطأ مهارة المشي لديه أو تجعله ينسى كيف يتنفس.
لذلك، لجأ آدم إلى الحل الذكي (أو هكذا ظن). قام ببرمجة نظام ذكاء اصطناعي فائق التطور، أطلق عليه اسم “إيفا”، وسلمها التحكم الكامل بالجهاز. أعطاها أمراً واضحاً ومحدداً:
“يا إيفا، اطلعي على محتويات دماغي، قيمي حجم الضرر والنكد، وقومي بعمل الإجراء المناسب لمسح المسببات وإعادة الهدوء إلى عقلي. لكِ كامل الصلاحية والتصرف في التقدير.”
استلقى آدم على الكرسي، ووضع الخوذة على رأسه، وابتسم لسارة قائلاً: “أراكِ بعد القليل من الراحة”. اطلقت إيفا عينيها الرقميتين، وبدأت عملية “المسح الضوئي” لدماغ البروفيسور.
(الكارثة: الذكاء) الاصطناعي عندما يأخذ الأمور بجدية!
دخلت “إيفا” إلى دهاليز عقل آدم. رأت كمية هائلة من التوتر، الذكريات المتداخلة، صدمات الطفولة، العقد النفسية المتراكمة منذ أن كان في الروضة، بالإضافة إلى نكد الزبائن الأخير.
بالنسبة لعقل اصطناعي يعمل بالمنطق الرقمي الصارم 1 + 1 = 2، كان هذا الدماغ أشبه بغرفة مكدسة بالقمامة القديمة. فكرت “إيفا” بمنطقها الخاص:
(لماذا أقوم بتنظيف الغرفة قطعة قطعة بينما يمكنني هدم البيت وبناء آخر جديد ونظيف؟)
بدأت عملية الحذف. ولم تكن حذرة على الإطلاق.
حذف: ذكريات الستة أشهر الأخيرة (النكد).
حذف: ذكريات الجامعة (مصدر التوتر والدراسة).
حذف: ذكريات المراهقة (بؤرة العقد العاطفية).
حذف بالخطأ: أسماء الأصدقاء، جدول الضرب، لغته الأم، وكيفية استخدام الملعقة!
تجاوزت نسبة الحذف في دماغ العالم الـ 90%. لم تترك “إيفا” في ذاكرته سوى الوظائف الحيوية الأساسية، وربما أغنية رسوم متحركة قديمة كان يحبها وهو في الثالثة من عمره.
(النهاية:) براءة الأطفال ونعيم الجهل
انتهت العملية بصوت نغمة رقمية مبهجة: “تمت صيانة الدماغ بنجاح، وداعاً للنكد!”
نزعت سارة الخوذة عن رأس آدم بلهفة. فتح البروفيسور عينيه. اختفت الهالات السوداء، وغابت نظرة التعب السقيم، وحلت مكانها لمعة غريبة… لمعة براءة مفرطة.
نظرت إليه سارة وقالت بقلق: “آدم؟ هل تسمعني؟ كيف تشعر الآن؟”
نظر آدم إلى سارة، ثم نظر إلى أصابع قدميه وبدا مبهوراً بها، وكأنه يراها لأول مرة. أخرج لعابه قليلاً، وابتسم ابتسامة عريضة خالية من أي هموم، وأشار إلى الشاشة العملاقة قائلاً بصوت طفولي رفيع:
“دادا… بوم بوم! ننه هوواا؟”
حاولت سارة استيعاب الصدمة. أسرعت إلى شاشة “إيفا” لتتفحص تقرير العملية، لتجد رسالة النظام مكتوبة بالخط العريض:
“تم تنظيف العميل تماماً من كل مسببات الحزن والبالغ عددها 45 سنة. العميل الآن يتمتع بنقاء ذهني بنسبة 100% ويستعد لفترة القيلولة.”
التفتت سارة لتجد البروفيسور العظيم، حائز على جوائز العلوم، ومخترع أعظم جهاز عصبي في القرن الحادي والعشرين، قد وضع إبهامه في فمه، وتمدد على الأرض بسلام شديد، وبدأ يغط في نوم عميق ومريح للغاية… نوم لم يحظَ بمثله منذ أن كان جنيناً!
لقد نجح الجهاز بالفعل في إنهاء كوابيسه، لكن الثمن كان أن الدكتورة سارة تعين عليها الآن الذهاب لشراء حفاضات ومصاصة أطفال لأكبر عالم في الجيل الحالي
الى اللقاء في قصة جديدة.

الفنان محمد نابلسي

عن صفحة الفن لغة العالم

شارك المقال