رباب يوسف وهبي

رباب وهبي: الممرات البحرية أوراق نفوذ واستراتيجية ردع

رباب وهبي: الممرات البحرية أوراق نفوذ واستراتيجية ردع

خريطة الردع الجديدة… كيف تحولت الممرات البحرية إلى أوراق نفوذ؟
بقلم: د. رباب يوسف وهبي
​لم يعد الخبر اليوم متوقفاً عند حدود مضيق هرمز، ولا عند التصريحات التقليدية التي تعوّدنا عليها لسنوات. ما نراه حالياً هو تغيير واضح في قواعد اللعبة، حيث يتوسع نطاق الضغط ليطال مضيق باب المندب، الممر المحوري الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن وصولاً إلى قناة السويس.
​هذا التحول لا يبدو عشوائياً، بل يعكس توجهاً عملياً لرفع كلفة أي مواجهة أو ضغط سياسي واقتصادي. الاعتماد على نقطة اختناق واحدة كهرمز كان يضع الثقل كله في مكان واحد، ويجعل التعامل معه متوقعاً. أما اليوم، فإن إدخال باب المندب على خط المواجهة يعني توزيع المخاطر على مساحة جغرافية أوسع بكثير.
​عندما يصبح الخطر متوقعاً في الخليج والبحر الأحمر في الوقت نفسه، لا تعود المسألة متعلقة بأسعار النفط وحدها، بل تمتد لتسليم البضائع، وأجور الشحن، وأقساط التأمين البحري. حتى وإن لم يتم إغلاق هذه المعابر بشكل كامل، وهو أمر معقد وله تبعات كبيرة على الجميع، فإن مجرد رفع حالة عدم اليقين يكفي لإرباك حركة التجارة العالمية.
​من الناحية العملية، هذا التوسع يفرض على القوى الدولية والولايات المتحدة نشر قواتها وتأمين خطوط ملاحة متباعدة وممتدة، مما يعني استنزافاً لوجستياً وتشتيتاً للجهود. وتبدو الرسالة هنا بسيطة، فأي استهداف أو ضغط لن يظل محصوراً في زاوية واحدة، بل ستكون له انعكاسات مباشرة على حركة الشحن الدولية بأكملها.
​ورغم القوة التي تمنحها هذه الاستراتيجية في التفاوض، إلا أن الهامش الذي تتحرك فيه ضيق جداً. إبقاء خطوط الملاحة تحت التهديد المستمر قد يدفع القوى الكبرى إلى اتخاذ إجراءات أكثر حشداً وتنسيقاً لحماية التجارة، وهو ما قد يضيق المساحة المتاحة للمناورة لاحقاً. كما أن أي خطأ غير محسوب في الميدان قد يحول الضغط السياسي إلى مواجهة مفتوحة يصعب التراجع عنها.
​ويُظهر المشهد الحالي أن الممرات البحرية لم تعد مجرد طرق لمرور الناقلات والبضائع، بل أصبحت أدوات أساسية في إدارة الصراعات الإقليمية، حيث يُحسب كل تحرك بذكاء وتصل تأثيراته المباشرة إلى الأسواق العالمية.

شارك المقال