هدوء أحلام المخيف في أول أيام زفافها
الضحية
الحلقة الأولى
في أول ليلة بعد الزفاف، كان أحمد ينظر إلى زوجته بإعجاب.
كانت هادئة…
هادئة أكثر مما ينبغي.
لا تكثر من الكلام.
ولا تضحك بصوت مرتفع.
ولا تجادل.
كان يظن أن الحياء هو السبب.
قال في نفسه:
“لقد رزقني الله امرأة مؤدبة.”
ولم يكن يعلم…
أنه لم يتزوج امرأة هادئة.
بل تزوج امرأة اعتادت أن تختبئ داخل نفسها.
في صباح اليوم التالي، استيقظ أحمد باكرًا.
ارتدى ملابسه، ثم دخل المطبخ ليعد فنجانًا من القهوة.
وجد أحلام واقفة أمام النافذة.
تحدق في الشارع.
قال مبتسمًا:
“صباح الخير.”
التفتت إليه، وردت بابتسامة صغيرة.
“صباح النور.”
انتظر أن تسأله:
ماذا تحب أن تفطر؟
أو هل أعد لك شيئًا؟
لكنها بقيت واقفة.
وصامتة.
كأن وجوده أو غيابه لا يغير شيئًا.
ابتسم ليكسر الصمت:
“سأذهب إلى العمل ولن أتأخر، إذا احتجتِ شيئًا اتصلي بي.”
هزت رأسها فقط.
“حسنًا.”
خرج وأغلق الباب.
عادت الشقة إلى الصمت.
وقفت أحلام في منتصف غرفة الجلوس.
ثم مشت ببطء نحو المطبخ.
وقفت أمام الخزائن.
فتحت الباب الأول.
ثم الثاني.
ثم الثالث.
ثم أغلقت الجميع.
اقتربت من الثلاجة.
فتحتها.
ثم أغلقتها.
وقفت دقيقة كاملة…
لم تكن تبحث عن شيء.
بدت وكأنها تستكشف كوكبا جديدا” سقطت عليه.
لم تكن تعرف… من أين تبدأ.
نظرت حولها.
ثم خرجت من المطبخ.
وجلست على الأريكة.
أمسكت هاتفها.
وبقيت تتصفح بلا هدف.
مرت ساعة.
ثم ساعتان.
ثم ثلاث.
ولم يتغير شيء.
عند الثالثة عصرًا عاد أحمد.
فتح الباب ونظر من حوله.
البيت تمامًا كما تركه.
حتى فنجان القهوة الذي شربه صباحًا ما زال في مكانه.
خلع حذاءه، ثم ابتسم وقال بهدوء:
“كيف كان يومك؟”
أجابت ببساطة:
“عادي.”
تردد قليلًا، ثم سأل:
“هل تناولتِ الفطور؟”
قالت: “لا.”
استغرب.
“لماذا؟”
أجابته وكأن السؤال غريب:
“لم أشعر بالجوع.”
ابتسم ليخفف الموقف.
“ولكني جائع جدًا.”
نظرت إليه.
ثم عادت تنظر إلى شاشة هاتفها.
انتظر.
ثم قال مبتسمًا:
“ما رأيك أن نطبخ شيئًا سريعًا؟”
رفعت رأسها ببطء.
وفي عينيها شيء من الضيق.
“أطلب طعامًا.”
قال:
“لا بأس… لكن ظننت أننا سنبدأ حياتنا معًا.”
لم ترد.
بعد نصف ساعة، وصل الطعام.
أكلا بصمت.
وحين انتهيا…
نهض أحمد وجمع الأطباق ووضعها في المطبخ.
عاد بعدها إلى غرفة الجلوس.
كانت أحلام في المكان نفسه.
تمسك هاتفها.
قال بلطف:
“هل أنت متعبة؟”
هزت رأسها.
“لا.”
“هل هناك شيء يزعجك؟”
“لا.”
“هل أنت منزعجة مني؟”
“لا.”
ثلاثة أسئلة…
وثلاث إجابات متطابقة.
لكن وجهها…
لم يكن وجه امرأة مرتاحة.
كان وجه شخص وكأنه يختبئ خلف جدار.
في تلك الليلة…
استلقى أحمد على فراشه وهو يقلب أحداث اليوم في رأسه.
قال لنفسه:
“ربما تحتاج وقتًا لتعتاد المكان.”
ثم أغلق عينيه.
أما أحلام…
فبقيت مستيقظة.
كانت تنظر إلى سقف الغرفة.
وعقلها لا يفكر في بيتها الجديد…
ولا في زوجها…
ولا في مستقبلها.
بل كان يفعل ما اعتاد عليه منذ سنوات طويلة.
يراقب…
يراقب صوت الثلاجة.
وصوت المصعد.
وصوت باب الجيران.
وصوت حركة أحمد وهو يتقلب في نومه.
وكأن جزءًا منها (أو كلها) ما زال يعيش في بيت أهلها السابق…
البيت الذي كان الصمت فيه…
أحيانًا… أخطر من الصراخ.
ولم تكن تعلم…
بأنها لم تترك ذلك البيت.
بل انتقل معها… وسكن في داخلها.
بلال الرافعي (تشات جي بي تي)





