رباب يوسف وهبي

رباب وهبي: زوطر الغربية تدق ناقوس الخطر

رباب وهبي: زوطر الغربية تدق ناقوس الخطر

” الجنوب ليس حزمة خيم… زوطر الغربية تدق ناقوس الخطر”
بقلم.د: رباب يوسف وهبي
​لم تكن زوطر الغربية سوى واحدة من قرى الشريط الحدودي التي نهكتها الحرب، لكنها اليوم تقف في صدارة المشهد الجنوبي كمرآة تعكس الأسئلة الثقيلة التي تحاصر المنطقة برمتها. فالذين عادوا يتفقدون أرزاقهم لم يصطدموا بحجم الدمار الذي طال البيوت والبنى التحتية فحسب، بل وجدوا أنفسهم أمام واقع يحتاج أشهراً وربما سنوات لمجرد استعادة الحد الأدنى من مقومات الحياة، في ظل عمليات مسح وكشف تديرها الفرق الهندسية للجيش اللبناني ومجلس الجنوب.
​وسط هذا الركام، تسرب الحديث عن التوجه لنصب منازل جاهزة لإيواء العائلات المنكوبة. وعلى الرغم من حسم بلدية زوطر الغربية للموضوع ونفيها وجود قرار رسمي لبناء مئة وحدة سكنية أو اعتماد القرية كنموذج اختبار للإعمار، إلا أن الجدل لم يهدأ. القلق الذي تحرك في نفوس الجنوبيين لم يكن وليد إشاعة، بل وليد خشية حقيقية من أن يُسحب الشأن المؤقت ليصبح هو الواقع الثابت.
​فالبيت في الجنوب لا يُقاس بمساحة الباطون ولا بعدد الغرف؛ إنه امتداد لأرض، وكروم زيتون وتين، وفسحة دار تتسع للأحفاد والذكريات. واختصار كل هذا النمط الإنساني والاجتماعي في صناديق معدنية ضيقة يعني عملياً تجريف ذاكرة كاملة، لا مجرد تغيير في هندسة البناء.
​عايش الجنوب كل أشكال الحروب والتهجير، لكنه لم يرتضِ يوماً منطق المخيم كبديل عن القرية. كان الناس يصرون على السكن فوق الركام لأن البقاء في الأرض هو أصل المواجهة. واليوم، يتسلل الخوف من أن يُستبدل الإعمار الفعلي ببدائل سريعة، فتتحول الوحدات المؤقتة إلى أحياء دائمة تفتقر إلى المقومات الأساسية، تماماً كما حدث في تجارب سابقة كثيرة حين تأخر التمويل، وضاعت الأولويات الرسمية، أو اعتاد الجميع الأمر الواقع.
​لا أحد ينكر تعقيد المشهد؛ فالدمار واسع، والميزانيات جافة، والاقتصاد اللبناني في أسوأ حالاته، فضلاً عن الارتباطات السياسية والأمنية المعقدة لملف الإعمار. لكن كل يوم يتأخر فيه وضع حجر الأساس للمنازل الأصلية، يرسخ لدى الناس شكوكاً حول المستقبل.
​المطلوب اليوم ليس نصب بيوت صفيح، بل وضع استراتيجية واضحة تعيد للقرى روحها وهويتها. فالإعمار ليس مجرد شاحنات إسمنت، بل هو إعادة إحياء للمدارس، والحقول، والمتاجر، والمجتمع الذي تشتت.
​قد تكون المنازل الجاهزة حلاً إنسانياً مؤقتاً وسريعاً لستر العائلات في أسابيع الحرب الأولى، لكن هذا الحل يفقد مشروعيته إذا لم يكن مقترناً بسقف زمني محدد وخطة عمل واضحة لإعادة البناء.
​ما تشهده زوطر الغربية اليوم هو بروفا لمستقبل الجنوب ككل: إما أن تكون بداية لورشة عودة حقيقية تحفظ كرامة الناس وأرضهم، وإما أن تغدو مؤشراً لرحلة طويلة من تحويل القرى إلى تجمعات سكنية مؤقتة يبقى فيها الإعمار مجرد وعد مؤجل. الجنوبيون لا يطلبون حلولاً استثنائية، بل حقهم البسيط في العودة إلى بيوتهم كما كانت، فالأوطان لا تُرمم بالحلول الترقيعية، ولا تُبنى إلا بإرادة حقيقية تعيد الإنسان إلى أرضه.

شارك المقال