حين يصبح وجع الناس تهمة.. لبنان على الحائط المسدود
حين يصبح وجع الناس تهمة، يكون الوطن قد بلغ الحائط.
كتب رئيس جمعية بناء الانسان الاستاذ ربيع مينا
إلى أين نمضي بهذا البلد؟
لقد بلغ لبنان مرحلة من أشد مراحله قسوة أمنيا” وسياسيا” وإقتصاديا” وإجتماعيا” ومجتمعيا”؛ مرحلة ضاقت فيها سبل العيش الكريم، واتسعت فيها الفاقة، وأستنزف المواطن حتى آخر قدرته على الإحتمال.
ومع ذلك، ما زال هناك من يصر على قراءة وجع الناس بعين المحاور، فيرى في كل صرخة مؤامرة، وفي كل إعتراض مشروعا” سياسيا”.
فهل من لم يعد قادرا” على دفع إشتراك الكهرباء يريد إسقاط الحكومة؟ وهل من لا تصله المياه، أو يعجز عن تأمين دوائه وغذائه وتعليم أولاده، أو يفتح براده فلا يجد ما يكفي عائلته، أصبح تابعا” لمحور؟ وهل المودع الذي ضاعت مدخرات عمره، والموظف الذي تآكل راتبه، والمتقاعد الذي أفنى عمره في خدمة الدولة، باتوا متهمين لأنهم يطالبون بحقوقهم؟
كفى تخوينا” لوجع الناس.
فالناس ليست محاور ولا أدوات في الصراعات السياسية؛ إنها مواطنون أنهكتهم الحياة، وكل ما يريدونه هو أن يعيشوا بكرامة.
وفوق هذا الإنهاك، يأتي الحديث عن ضرائب ورسوم وأعباء جديدة، وكأن جيب المواطن هو الخزينة الأخيرة التي لم تستنزف بعد. وها نحن أمام عام دراسي جديد، حيث تتحول الأقساط والكتب والقرطاسية والنقل وسائر المتطلبات إلى عبءٍ إضافي على عائلات لم تعد تعرف من أين تؤمّن أبسط احتياجاتها.
إلى متى يطلب من المواطن أن يدفع ثمن الإنهيار من لقمة عيشه، ومن كرامته، ومن مستقبل أولاده؟
أما الذين يسألون اليوم، أين ثوار 17 تشرين؟ فليتذكروا أن 17 تشرين لم تكن ملكية حصرية لأحد، ولا مؤسسة سياسية، ولا بضاعة يحتكرها فريق. كانت اعتراضا” شعبيا” عابرا” للمناطق والطوائف والمذاهب، وصرخة في وجه سياسات أوصلت لبنان إلى حافة الإنهيار. وإذا كان ذلك الواقع قد أخرج الناس إلى الشارع، فكيف ينبغي أن نصف واقعا” اليوم أشد قسوة وأعمق اختناقا”؟
ومن هنا، لا يمكن أن يكون كل تحرك شعبي أو كل مطالبة إجتماعية ومعيشية موضع تخوين أو إتهام بالعمالة. من حق الناس أن تعترض، وأن ترفع صوتها، وأن تطالب بحقوقها، من دون أن تختزل مطالبها في حسابات المحاور. والإحتجاج السلمي على السياسات التي تثقل كاهل المواطنين ليس مؤامرة، والمطالبة بالحق ليست عمالة، ورفع الصوت ليس إسقاطا” للدولة.
نحن نريد الدولة؛ دولة المؤسسات والقانون والعدالة، دولة تحمي مواطنيها وتصون كرامتهم وتكون حاضرة في حياتهم. لكن الإيمان بالدولة لا يعني السكوت عن الخلل، كما أن رفض الفوضى لا يعني مطالبة الناس بأن تصمت إلى ما لا نهاية.
الدولة القوية لا تخاف من صوت مواطنيها؛ بل تسمع هذا الصوت قبل أن يتحول الصمت إلى إنفجار اجتماعي.
ولذلك، لسنا أمام دعوةٍ إلى الفوضى أو إلى إسقاط الدولة، بل أمام إنذار واضح بأن قدرة الناس على الإحتمال ليست بلا حدود.
لقد اقتربنا كثيرا” من الحائط المسدود.
وهذا الحائط لا يكسر بالتخوين، ولا بتوزيع الإتهامات، ولا بإلقاء مسؤولية الإنهيار على مواطن لم يصنعه.
فحين يصبح الفقير متهما” لأنه جائع، والمودع متهما” لأنه يطالب بماله، والموظف متهما” لأنه لا يستطيع إكمال الشهر، والأب متهما” لأنه عاجز عن تأمين مدرسة أولاده.
فإن المشكلة لم تعد في صوت الناس، بل في وطن لم يعد يسمعهم.
لقد آن الأوان أن يتقدم الإنسان على المحور، والحق على الحساب، والدولة على كل الإصطفافات.





