أحمد الأعرج يكتب: السادات ومعركة القرار المستقل
السادات والقضية الفلسطينية.. رواية أبو إياد ومعركة القرار الوطني المستقل
بقلم الأستاذ أحمد حسن الأعرج كاتب وإعلامي
في ذكرى انتصار أكتوبر، تستعيد مصر ملحمةً وطنيةً سطّرها جيشها وشعبها في السادس من تشرين الأول ١٩٧٣، حين أعاد العبور الثقة بالإرادة العربية وفتح الطريق أمام استعادة الأرض. وفي هذه المناسبة، لا ينتقص من عظمة ذلك الانتصار أن نتوقف أمام محطة من تاريخ العلاقة المصرية الفلسطينية، لنقرأها من زاوية أخرى: معركة الفلسطينيين من أجل استقلال قرارهم الوطني وحقهم في تقرير مصيرهم بأنفسهم.
في شهادة تاريخية للقائد الشهيد صلاح خلف “أبو إياد”، عضو اللجنة المركزية لحركة “فتح”، يروي جانبًا من حواره مع الرئيس المصري الراحل أنور السادات عام ١٩٧٤، حين طرح السادات، وفق رواية أبي إياد، فكرة أن تتولى مصر والأردن التفاوض بشأن قطاع غزة والضفة الغربية، وأن تبقى الأرض أمانةً للفلسطينيين إلى حين تحريرها. لكن الموقف الفلسطيني انطلق من مبدأ واضح: لسنا شعبًا تنقصه الأرض وحدها، بل شعب يريد أن يمتلك قراره، وأن يكون حاضرًا في تقرير مصيره، لا مجرد طرف ينتظر ما تقرره العواصم نيابةً عنه.
لم يكن اعتراض أبي إياد، كما تنقله شهادته، رفضًا للدور العربي أو انتقاصًا من مكانة مصر، بل دفاعًا عن حق الفلسطينيين في حمل قضيتهم بأيديهم، وتحمل مسؤولية نضالهم ومستقبلهم. فالقضية التي دفع شعبها أثمانًا باهظة من دمه وأرضه وشتاته لا يمكن أن تتحول إلى ملف تتقاسمه الأطراف، مهما كانت نياتها أو حساباتها السياسية.
وهنا يتجلى الفارق بين التضامن والوصاية؛ فالتضامن العربي الذي تحتاج إليه فلسطين هو الذي يمنح شعبها قوةً إضافية في مواجهة الاحتلال، ويحمي حقه في العودة وتقرير المصير. أما أن يُطلب من الفلسطينيين ترك قضيتهم للآخرين كي يتفاوضوا باسمهم، فذلك يفتح الباب أمام حلول قد تستعيد جزءًا من الأرض، لكنها لا تحقق بالضرورة حق الشعب في وطنه ودولته المستقلة.
ولم يكن الخلاف على حدود التفاوض وحدها، بل على هوية القضية ذاتها. فالضفة الغربية ليست مجرد امتداد جغرافي يمكن أن يُحسم مصيرها بمعزل عن إرادة الفلسطينيين، وغزة ليست وديعةً لدى أحد، وفلسطين ليست اسمًا قابلًا للشطب من الخرائط أو الاستبدال بهوية أخرى. إنها وطن شعب، وحق تاريخي وسياسي لا يسقط بالتقادم، ولا يختصره اتفاق بين دولتين.
وفي تشرين الأول ١٩٧٤، جاء قرار قمة الرباط العربية ليؤكد حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، ويعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلًا شرعيًا وحيدًا له. وقد شكّل ذلك محطة مفصلية في ترسيخ الشخصية الوطنية الفلسطينية، وتأكيد أن الفلسطينيين ليسوا مجرد سكان في أرض متنازع عليها، بل أصحاب قضية وحقوق وإرادة سياسية مستقلة
أما السادات، فقد اختار لاحقًا مسارًا تفاوضيًا منفصلًا مع إسرائيل، تُوّج باتفاقات كامب ديفيد عام ١٩٧٨، ثم معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام ١٩٧٩. واستعادت مصر سيناء عبر هذا المسار، فيما بقيت القضية الفلسطينية من دون حل يحقق للشعب الفلسطيني حقوقه الوطنية، وفي مقدمتها حقه في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة. وهنا تتضح المفارقة التاريخية: يمكن للتفاوض أن يستعيد أرضًا لدولة، لكنه لا يضمن وحده استعادة حقوق شعب آخر، ما لم يكن هذا الشعب حاضرًا في صياغة الحل وصاحب القرار فيه.
إن تقدير انتصار مصر في تشرين الأول/أكتوبر والاعتزاز بتضحيات جيشها وشعبها لا يتعارضان مع قراءة نقدية للخيارات السياسية التي اتُّخذت لاحقًا. فالتاريخ لا يُختزل في موقف واحد، ولا تُمحى إنجازات الشعوب بسبب خلافات الحكومات، كما أن الوفاء للتضحيات لا يعني التوقف عن مساءلة السياسات ونتائجها.
لقد ظل رفض التوطين أحد الثوابت التي تمسّك بها الشعب الفلسطيني، لأن اللجوء لا يتحول إلى وطن بديل، ولأن الإقامة في المنافي، مهما طالت، لا تلغي حق العودة. ومن هنا، لم يكن استقلال القرار الوطني ترفًا سياسيًا، بل ضرورة لحماية الهوية الوطنية من الذوبان في حسابات الآخرين، ولضمان ألّا تتحول القضية الفلسطينية إلى ملف قابل للمساومة على حساب أصحابها.
واليوم، ونحن نستحضر ذكرى أكتوبر، فإن الوفاء الحقيقي لمعنى التضامن العربي يقتضي التمييز بين استعادة الأرض المصرية، وهي إنجاز وطني مصري، واستعادة الحقوق الفلسطينية، التي لا يمكن أن تتحقق من دون إرادة الشعب الفلسطيني وحقه في تقرير مصيره، مدعومًا بأمته وأحرار العالم.
نُقدّر انتصار مصر في أكتوبر، ونحفظ تضحيات شعبها وجيشها، لكن فلسطين لم تكن يومًا أرضًا يقرر الآخرون مصيرها نيابةً عن شعبها. فالقرار الفلسطيني المستقل ليس شعارًا سياسيًا، بل ضمانة لبقاء القضية قضيةَ شعبٍ ووطن؛ إذ لا تُستعاد الأوطان بالنيابة، ولا تُصان الحقوق إلا بإرادة أصحابها وتمسّكهم بحقهم في تقرير المصير
مركز النهوض الاعلامي






