“حروب القناصل”!
مرسال الترس
موقع “الجريدة” في ٢٠٢٥/٨/١٧
ما يظهر من معطيات على هامش حركة الموفدين باتجاه العاصمة اللبنانية، يُذّكر بما حصل نفسها قبل أكثر من قرن ونصف، حين أفضت صراعات القناصل إلى حرب طائفية ما تزال آثارها ماثلة في الأذهان وكأنها بالأمس القريب.
فإذا نكأنا الدائرة الخلفية من الذاكرة، تَمثُل أمامنا وقائع تاريخية عدة تعكس مدى التدخلات والتأثيرات الخارجية على كل ما يتحرك على هذه البقعة من الأرض:
فمنذ العام 1940، ولعشرين سنة تلت، غذّى قناصل بريطانيا وفرنسا،اللتين كانتا من أشهر الدول المستعمِرة، الصراعات بين سكان جبل لبنان، ولاسيما الدروز المدعومين من البريطانيين والمسيحيين المدعومين من الفرنسيين، فيما كان الحكام الأتراك مرتاحون لهذا الصراع من أجل زيادة سيطرتهم على الولاية المقسمة إلى قائمقاميتين.
وفي صيف 1905، وعشية الحرب العالمية الأولى التي أنتهت بإزالة السلطنة العثمانية، أجّج القناصل في ولاية بيروت الصراع الذي نشب بين المسلمين السّنّة والمسيحيين الأرثوذكس النازحين من الشام الذين لجأوا إلى بيروت أثناء الحرب الأهلية الطائفية في سوريا ولبنان ما بين (1840 – 1860)، وأقاموا في أرض كانت خلاءً، هي المزرعة. واستُعملت اللهجات دليلاً في عمليات الخطف على الهوية بين الطرفين اللذين تبادلا الغارات الليلية. أما معارك القنص النهاري بينهما فقادها “قوّاصوا” القناصل الأجانب المقيمين في بيروت.
وفي “حرب السنتين” التي إنطلقت عام 1975، تلمّس الجميع دور السفارات والتدخلات الأجنبية في تأجيج الصراعات بين مختلف الأطراف.
وما أقرب اليوم الى الأمس، فعجقة الموفدين والمبعوثين قد لا تكون مسبوقة إلى العاصمة اللبنانية.
هذا الموفد يشدّد على الجيش اللبناني والقوى الأمنية، لتنفيذ قرارات السلطة التنفيذية المتمثلة بحكومة الرئيس نواف سلام بشان حصرية السلاح بيد الدولة مهما كانت النتائج!
وذاك الموفد يشجّع متملّكي الاسلحة على الاحتفاظ بها، راسماً لهم أجواء قاتمة إن هم تساهلوا في تسليمها إلى الدولة، وبات شعار “تسليم السلاح خيانة” هو المتقدم على سواه.
الطرفان لم يقيما وزناً لما قد تفضي إليه صراعاتهما، فالضحايا، بالنسبة لهذا أو ذاك من الموفدين، ليسوا أكثر من أرقام تضاف إلى لوائح شهداء الوطن، وقد يتبرع هو أو من ينوب عنه بدفع بدل تضحياتهم نقوداً زائفة في تاريخ الأوطان!