ابحثوا عن الكبار!

ابحثوا عن الكبار!

عبرت خمسون ربيعا على رحيل كوكب الشرق، ام كلثوم ، ومعظم نجومنا على الحضيض!…
أبدعت بغنائها إلى جانب النغمات الشعرية التي تشجي بفضل الحان عباقرة، فسحرت ناسها وأنستهم تكاليف الحياة ولو إلى حين.
كانت حقا معجزة الفن. طبقات صوتها في اعلى ذروة من السمو والإبداع. تتحكم في صوتها كما تشاء، وتتلاعب بنبراتها مثلما يحلو لها، فلا البلبل يضارعها بتغريده، ولا العندليب يدانيها بصداحه. فإن قالت : يا ليل، شدت اليها الافئدة، وملكت المسامع والخواطر، وإن تتالت منها الآهات، حارت الحساسين، وخجلت الهزارات، وأنصتت نجوم السماء.
عندما تسمع صوتها المملوء رقة وحنانا ورخامة، تقول في نفسك ان حنجرتها قد كونت بعناية إلهية خاصة، مكنتها من الشدو الملائكي العجيب.
من مهد حضارة عالمنا العريقة الباذخة، نسمع صوتا يحمل الينا نشوة روحية عذبة تثبت لنا ان شرقنا الذي أعطى العالم الأنبياء والمرسلين، أعطى ام كلثوم وأمثالها موهبة الصوت النازل من السماء.
قال لي احد طلابي الجامعيين في فرنسا، وكنت أسمعه ورفاقه بعض مقطوعات من كوكب الشرق: ” اتمنى ان افهم مباشرة تغاريد هذا البلبل الآتي من عالم مجهول…الحال انني لست أستطيع ان أدرك او اصف جمال الكلمة وروعة المبنى وسمو هذا الصوت الذي لفني بموجة من الخشوع القدسي، ونقلني على أجنحة النغم الشرقي، إلى روحانية الشرق وصفائه”!
حافظت ام كلثوم إلى آخر لحظة من حياتها، على قدسية الفن، وتمسكت في قوة، بالأصالة العربية واللحن الجميل المنبثق من اعماق الروح الشرقية، وترفعت عن كل ما يخدش سمعتها او يسيء إلى كرامتها، وكرامة النهج الفني الرفيع الذي سلكته، والذي كتب عليها بعد رحيلها عام ١٩٧٥، أروع وأشرف آيات المجد والخلود.
عالم الصخب والضجيج والتكرار الذي نعيش فيه اليوم ، لا يمكن ان يترك في النفوس صدى يتردد فيها حلوا كما يتردد صوت ام كلثوم وأمثالها. صور بعض المغنيين والمغنيات، قد تبهرنا ، ولكنها لا تشفي غليلنا. وما زالت مبتكرات ام كلثوم وعبد الوهاب والسنباطي، تهتز لها انفسنا اهتزازا. ذلك ان الديباجة، اساسا، ناصعة واللفظ رشيق انيق. وكثيرا ما شاركت ام كلثوم في صياغة تلك الديباجة، لما تمتعت به من ذوق ونزعة نقدية سديدة. وتبا لكل فنان او سياسي او تاجر يلعب، بلا جدارة، على كل حبل ويمالئ لذلك كل ذي حول وطول!

د. جهاد نعمان
استاذ في المعهد العالي للدكتوراه

شارك المقال

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *