ندوة وتوقيع كتاب “خمسون عاماً يا زمان الجامعة” للدكتور هاشم الأيوبي
ندوة وتوقيع كتاب للدكتور هاشم الأيوبي بدعوة من مؤسسة سابا زريق الثقافية في مركز الصفدي الثقافي
في إطار دعمها للاصدارات والأنشطة الثقافية والأدبية في طرابلس والشمال نظمت “مؤسسة شاعر الفيحاء سابا زريق الثقافية” ندوة للدكتور هاشم الأيوبي، بمناسبة توقيع كتابه “خمسون عاما يا زمان الجامعة” في مركز الصفدي الثقافي بطرابلس، بحضور حشد من ممثلي الهيئات والفاعليات الأدبية والفكرية والأندية والجمعيات تقدمهم النواب د.طه ناجي، د. فادي كرم، النائب جورج عطاالله، اللواء أشرف ريفي ممثلا بكمال زيادة، الرئيس السابق لبلدية طرابلس الدكتور رياض يمق،المدير العام السابق لوزارة الثقافة فيصل طالب، رئيس مجلس أمناء جامعة الجنان الدكتور سالم فتحي يكن.
في الإفتتاح، النشيد الوطني اللبناني ونشيد الفيحاء لشاعر الفيحاء سابا زريق، وقدمت المتكلمين الدكتورة ريما الأحدب.
كلمة الدكتور زريق
وتحدث الدكتور سابا قيصر زريق فقال:”الزمانُ يسرِقُ كلَّ شيءٍ إلا الذِكريات. فهي تعودُ إلينا على هيئةِ حنين”؛ قولٌ للأديبِ والكاتبِ المصري الكبير، مصطفى لطفي المنفلوطي.
“خمسون عاماً يا زمانَ الجامعة”؛ مُناجٍ ينادي زماناً اختزلَهُ بنِصفِ قرنٍ، أذابَهُ في كَنَفِ عائلتِهِ الأولى، أي جامعتِنا الوطنية. فكان من أضعَفِ الإيمانِ أن تتصدَّرَ قائمةَ إهداءاتِهِ لمؤلَّفِه. “خمسونَ عاماً يا زمانَ الجامعة”؛ قد يتراءى لنا أنه مجرّدُ عنوانٍ لكتاب، بينما هو في الحقيقةِ عنوانٌ لزمانِ د. الأيوبي، وتأريخٌ لزمنٍ ولمكانٍ ولإنسان، زمنُ الشعرِ والأدبِ والسماءِ الصافيةِ والنَّكَسات بغيومِها السوداء. ولم تغِبْ عنه سوى انتصاراتٍ غير وهمية لم تتحقَّقْ.
عنوانٌ ينبئُ بآهاتٍ لحنينٍ، تارةً يرزَحُ تحت أثقالٍ من الأتراح، وتارةً أخرى، تُنعِشُهُ ذِكرياتٌ من الأفراح. فلولا الحُلوُ والمُرُّ لما كان لحيواتِنا معنىً.
ولم ينَلْ هذا الحنينُ من موضوعيةِ د. الأيوبي، إذ جاءَتْ سردياتُهُ، غيرُ الممِلّة، لسيرةِ حياةٍ كقِصّةِ مسيرةٍ وثَّقَ فيها الكاتبُ أبرزَ محطاتِها، دون الإلتفاتِ إلى ما قد يكونُ لواقعَةٍ أو لحدثٍ ما من أثرٍ أو قبولٍ أو اهتمامٍ لدى القارئ. فما يذكرُهُ هي دقائقَ طُبعَتْ في ذاكرتِهِ، إلى حدِّ الرَّغبةِ في مشاركتِنا أبسطَ تفاصيلِها.
بوادرُ تَمَيُّزِ كاتبِنا لاحَتْ باكراً، مما حَدا بالمطران جورج خضر، أطالَ اللهُ بعمرِه، وكان أرشمندريتاً آنذاك، إلى تحفيزِه على متابعةِ دراساتِهِ العُليا في ألمانيا، لنيلِ شهادةِ الدكتوراه التي لم تكُنِ الجامعةُ اللبنانيةُ تمنحُها آنذاكَ. فانطلقَ مبعوثاً بمِنحةٍ من الجامعةِ، التي عادَ إليها ليعمَلَ أستاذاً في كليةِ التربيةِ فيها، ومن ثمَّ في كليتِها للآداب، مترئساً بعد ذلك قسمَ اللغةِ العربيةِ وآدابِها فيها. وجالَ د. هاشم زائراً وباحثاً في جامعاتٍ ألمانيةٍ وفرنسية، مختتماً مسيرتَهُ عميداً لكلية الفنونِ الجميلة فيها. وبفضلِ قُدُراتِهِ الأكاديمية إرتقى إلى الأمانةِ العامة لكُلياتِ الفنونِ الجميلة والعَمارة في اتحادِ الجامعاتِ العربية وعضوية مجلسِ الجامعة اللبنانية.
وعودةً إلى مضمونِ كتابهِ الجديد، من اللافت أن مؤلِّفَنا بوَّبَهُ وَفقَ محاورَ تدورُ حول جامعتِه. والتساؤلُ الذي يُراوِدُني هو: هل كان د. هاشم عدَّلَ في العناوينِ العريضةِ لأبوابِ كتابِه، لو لم يكُنْ عنوانُهُ يُوحي بلا لَبْسٍ أنه يتعلَّقُ بالجامعة؟ أرى أن الإجابةَ هي بالنفي، إذ أن الجامعةَ كانت حياتَهُ كلَّها. حالَ دون تجاهلِ أي ذِكرى انسلَّتْ إلى قلمِه، لينزِفَها مِدادُهُ على القُرطاسِ الذي يضعُهُ اليوم بين أيادينا، وليُشعِلَ في من عاصَروه أو واكبوه أو تتلمذوا على يدِهِ أو أضحوا أتراباً له بعد ذلك، ناراً خالوها خامدة.
فكأني بأميرِنا، في تحريرِه، يتلقَّفُ الذِّكرياتِ التي كانت تداهِمُه، متنقلةً عشوائياً في ذهنِه، من زمنٍ إلى زمن، ومن مكانٍ إلى مكان ومن وجهٍ إلى وجه، بقفْزاتٍ طويلة، دون تسلسُلٍ معيَّنٍ أحياناً، مما يضاعفُ في الإثارةِ لما قد يترقَّبُ القارئُ قراءتَهُ بعد أن يفرَغَ من قراءةِ نصٍ ما. في فَقرةٍ، وعلى سبيلِ المثال، يتنقَّلُ من طرابلس إلى بيروت، دون أن تجمَعَ بين المكانَين مناسبةٌ واحدة. ففي 13 نيسان 1975 المشؤوم، قفزَ المؤلِّفُ إلى الأمام، ليهبُطَ عام 2003، من مناسبةِ شرارةِ الحربِ الأهليةِ الأليمة إلى أخرى تزرعُ الأمل، إلا وهي غَرسُ شجرةِ زيتونٍ أمام الإدارةِ المركزيةِ للجامعة؛ ليعودَ بقَفْزةٍ إلى الوراء هذه المرة، بذِكرياتِهِ عن طلابِ المسرح في معهدِ الفنونِ الجميلة.
حرَصَ د. الأيوبي على عدمِ تفويتِ ذكرِأيِ أمرٍ استرجعَتْهُ ذاكرتُهُ دون تقيُّدِهِ بارتباطِ هذا الأمر بزمنٍ أو تاريخٍ معيَّن، مما يدُلُّ على شفافيةٍ وأمانةٍ لا تعتريها أيةُ مبالَغة؛ شفافيةٌ أفصَحَ هو عنها بإقرارِه أنه لا يعرِفُ لذِكرياتِه لا بدايةً ولا نهاية.
شملَتْ مراجعاتُ المؤلِّفِ التاريخية موضوعاتٍ متنوِّعة؛ والفضلُ في ذلك يعودُ إلى الدَّربِ الغنيةِ التي سارَ عليها والثروةِ الفِكريةِ التي اختزنَها. كتبَ د. الأيوبي عن الشعرِ وفيه وعن شؤونٍ ثقافيةٍ وأكاديميةٍ ووطنية، وكذلك نِضالية جامعية، كان هو أحَدَ فُرسانِها؛ وعن وجوهٍ بارزةٍ التقاها وتقاريظَ لقاماتٍ فنيةٍ وأدبيةٍ وصِحافيةٍ وسياسية. كما استعادَ أحداثاً أصابَتْ لبنان وعالمَنا العربي. وهو لم يقصِّرْ في إعطاءِ كلٍّ من الأصدقاءِ والطلاب والأساتذة ومدراء الأقسام والعمداء حقَّه، ومنهم من انتقلَ إلى عالَمِ الخلود. وكان للعاصمةِ بيروت وشوارعِها ومقاهيها حِصّةٌ وازنةٌ في الكتاب، هي التي أمضى فيها ردْحاً طويلاً من الزمن، مرابطاً فيها في أحلَكِ الظُّروف. وكيف له أن ينسى وطنَهُ الثاني بالتّبني الثقافي، عَنَيْتُ ألمانيا، حيث حصَّلَ شهادَتَهُ الأعلى والتي لا بُدَّ أن تكونَ أسهمَتْ في صَقْلِ شخصيتِهِ. كما عرَّجَ على أخبارٍ ووقائعَ حول ندَواتٍ ومحاضراتٍ ومؤتمراتٍ وحفلاتِ تكريم وما شابه. وهو المشجِّعُ للأدبِ والفنِّ، كان له دورٌ بارزٌ في تكريمِ أدباءَ وفنانين من تربويين ومخرجين ورسّامين تشكيليين.
وللدكتور الأيوبي في ذمَّةِ الجامعةِ اللبنانية وطلاّبها دَينٌ أكيدٌ، هو الذي جَهَدَ لاستحداثِ أقسامٍ فيها وتعديلِ نِظامِ الشَّهاداتِ التي تمنحُها وتحويلِ معهدِ الفنونِ الجميلةِ إلى كُلّية.
وباختصار، ينطوي الكتابُ على فُسيفساءَ زاهرةٍ، بألوانٍ باهرة، لوحةٍ يطيبُ لكلِّ خَيالٍ أن يحلِّلَ ما يراهُ فيها. كتابٌ حرَّرَهُ عُروبيٌ أصيلٌ وشاعرٌ مُجيدٌ وأديبٌ شاملٌ ومربٍّ وأكاديمي وإداري ومناضِلٌ وإعلاميٌ، وألسِنيٌ إستثنائيٌ على ما وصَفهُ به معالي الوزير رشيد درباس.
وختاماً، أهنالك أسخى من مؤِلِفِنا، تلك القامةِ العملاقة، المجبولةِ بفضائلِ الإلتزامِ والتواضُعِ والوداعةِ والنُّبل، يضعُ بالتصرُّفِ ثمَرةَ عُمرٍ كامل، لكي نتذوّقَ تجربَتَهُ ونقتدي بها؟
دكتورُنا الحبيب،
مباركٌ لنا جميعاً سِفرُك القيِّم؛ أطالَ اللهُ بعمرِك
موقع الفجر الجديد








