عبد الهادي محيسن

سوريا… خمسة آلاف عام من الحضارات ووحدة تتحدى الانقسام

سوريا… خمسة آلاف عام من الحضارات ووحدة تتحدى الانقسام

لأكثر من خمسة آلاف عام كانت سوريا مهداً لحضارات لا تنسى وديانات

كتب عبد الهادي محيسن باحث ومؤرخ

كانت سوريا مهداً لحضاراتٍ لا تُنسى وديانات لم تُغلق وحضارات لم تَذُب ، من مملكة ماري الى تدمر من الأراميين الى الأمويين ، من الحثيين الى العرب ، لم تكن سوريا يوماً أمةً من لون واحد ، بل فسيفساء تعيش وتتنفس على أرض واحدة ، ثمانية عشرة طائفة دينية ، اثنتي عشر مجموعة عرقية ، سبعة لغات محكية ، كلها تجتمع في بلد واحد مساحته أقل من نصف فرنسا … عام 1920 بعد دخول الفرنسيين دمشق مدعين حماية المسيحيين دخل فارس الخوري الى المسجد الأموي وجلس فيه أسبوعاً كاملاً يقرأ القرآن ثم قال في خطاب له :

” أنا مسيحي بالمذهب …مسلم بالوطن ” ليؤكد ان سوريا لا تُحمى بالطوائف ، بل بوحدة أبنائها هو نفسه الذي أصبح لاحقاً رئيساً للوزراء ، ووزيراً للأوقاف الإسلامية ، وفي الجنوب قاد سلطان الأطرش الدرزي عام 1925 واحدة من أعظم الثورات ضد الاستعمار ، رافضاً كل العروض لإقامة دولة درزية منفصلة قائلاً : ” لا استقلال لجبل العرب وحده ، الاستقلال إما أن يكون لسوريا كلها أو لا يكون ” ، حتى الأكراد شاركوا في كل الثورات ضد العثمانيين والفرنسيين ، فكلهم آمنوا بسوريا واحدة موحدة لكن الحلم تحطم على صخرة السياسة

22 مليون سوري قبل الحرب أصبحوا اليوم أقل من 17 مليون داخل البلاد ، وأكثر من 6 ملايين لاجئ يعيشون في الشتات ، وعدد المسيحيين تقلص من مليونين الى أقل من 300 ألف ، بينما 30% من الأراضي السورية ما تزال خارج سيطرة الحكومة في دمشق ، من ممالك الآراميين الى الدولة الأموية الى إيالة العثمانيين الى انتدابٍ فرنسي … كل حقبة تاريخية أعادت رسم حدود سوريا ، وكل مرة كانت سوريا تجد طريقة لاحتضان التنوع ، لكن خلال 15 عاما من الحرب تغيرت خريطة سوريا كثيراً .

الأكراد يسيطرون على الشمال الشرقي ، تركيا تسيطر على الشمال ، وإسرائيل تتوسع جنوبا ، وأميركا تبقي قواتها شرقا ، وروسيا تحتفظ بقواعدها غربا ، وفي الوسط حكومة بقيادة أحمد الشرع تحاول جمع قطع الأحجية ، وكل قطعة تبدو أنها تنتمي الى لغز مختلف ، بالأمس رفض الساحل الحكومة الجديدة وأعلن العصيان ، اليوم السويداء تشتعل بين مؤيد ومعارض للاتفاق مع دمشق ، وغداً لا نعرف أي منطقة ستكون المحطة التالية في رحلة التوترات

سوريا التي علمت العالم فن العيش المشترك لخمسة آلاف عام تتعلم اليوم كيف تعيش مع نفسها ، رغم أن التاريخ بشواهده يؤكد أنه عندما وحد السوريون صفوفهم ، هزموا أعظم الامبراطوريات من أوغاريت الى الثورة الكبرى .. فسوريا أعطت العالم أول أبجدية في العالم وهي ” الأوغاريتية ” ، وأول نوتة موسيقية في العالم ، وأول شريعة مكتوبة في العالم ” نقوش ايبلا ” من أقدم النصوص القانونية السورية ، وعاصمتها دمشق أقدم عاصمة مأهولة في التاريخ البشري .

عاصمة الإمبراطورية الأموية التي ضمت خمسين مليون نسمة ، من أعراق وديانات مختلفة … هل ستنجح في كتابة أول عقد اجتماعي مشترك حديث ، يوحد السوريين كل السوريين تحت سقف واحد ؟ .وكل من يقول سوري أنا سوري يا خيي يجتمعون كلهم تحت سقف واحد .

شارك المقال