صوتنا للمدى

رباب وهبي: هل استعاد لبنان “مفتاح البيت” بطرد السفير؟

رباب وهبي: هل استعاد لبنان “مفتاح البيت” بطرد السفير؟

نبذة عن الكاتبة

رباب يوسف وهبي
باحثة وأكاديمية لبنانية، دكتورة في التاريخ الحديث والمعاصر والعلاقات الدولية من جامعة بيروت العربية – لبنان.
أستاذة تاريخ في ملاك التعليم الرسمي الثانوي، وكاتبة في الشؤون السياسية والتاريخية وقضايا التحول في الشرق الأوسط.

“العاصمة على حافة الانفجار…صراع خفي يهدد الدولة اللبنانية”
بقلم الدكتورة رباب يوسف وهبي
في الوقت الذي كانت فيه نيران الجنوب ترسم حدوداً جديدة بالدم من حاروف إلى الخيام، استيقظ اللبنانيون على وقع انفجار سياسي لم يكن في الحسبان، فقرار وزارة الخارجية بطرد السفير الإيراني، وسحب الاعتماد من بعثته، لم يكن مجرد إجراء بروتوكولي، بل كان إعلاناً صريحاً عن محاولة الدولة اللبنانية بقيادة الرئيس جوزيف عون ونواف سلام، استرداد مفتاح البيت من يد الوصاية الإقليمية. وقد أدى هذا القرار إلى تقارير أمنية كشفت تغلغل مستشاري فيلق القدس بجوازات سفر مزورة، مما وضع لبنان رسمياً في مواجهة مكشوفة مع طهران، وسرعان ما جاء الردّ الميداني فوق رؤوس الآمنين.
فحادثة الصاروخ الذي انفجر في سماء كسروان، وتناثرت شظاياه فوق ساحة علما وجونية وحارة صخر، لم تكن مجرد رسالة عسكرية طائشة، بل كانت محاولة فاشلة لاستهداف السفارة الأميركية في عوكر قبل أن تتدخل دفاعات المرابطة في البحر، ليتبيّن بعدها أن الصاروخ إيراني الصنع أطلقه الحرس الثوري من منطقة البقاع بالتنسيق مع حزب الله، وكان الهدف واضحاً ومباشراً هو السفارة الأميركية في عوكر، غير أن الهجوم لم يكن ردّاً مباشراً على قرار طرد السفير الإيراني، نظراً لأن تجهيز صاروخ بهذا الحجم يتطلب وقتاً طويلاً قبل صدور القرار الدبلوماسي.
إنّ هذه الواقعة لم تحرق الجو فقط، بل فجرت غضباً شعبياً مكتوماً في الأوساط الكسروانية، حيث لم يعد الأهالي يطيقون تحول مناطقهم إلى صندوق بريد لنيران الصراعات الكبرى. هذا الاحتقان الشعبي سرعان ما تُرجم إلى توترات ملموسة وغضب عارم تجاه تجمعات النازحين في تلك المناطق، في ظل خوف مشروع من أن يتحول وجودهم إلى غطاء أمني يستدرج استهدافات إسرائيلية أو ردود فعل إقليمية، مما يضع السلم الأهلي على فوهة بركان في قلب المناطق التي كانت تُعد آمنة.
وفي ظلّ التهديد الإسرائيلي بفرض منطقة عازلة حتى الليطاني والسيطرة على الجسور، تدور في كواليس إسلام آباد مفاوضات إيرانية-أميركية غامضة تعكس انقلاباً في موازين القوى داخل طهران نفسها. فالمعلومات تشير إلى أن من يقود قاطرة التفاوض اليوم ليسوا حراس الثورة القدامى، بل سلالة جديدة من البراغماتيين يتقدمهم محمد باقر قاليباف، الذين يبدو أنهم قاموا بانقلاب ناعم لإنقاذ بقاء النظام من الانهيار الاقتصادي والضربات العسكرية المتتالية. إن تفضيل هؤلاء التعامل مع جيه دي فانس بدلاً من صقور ترامب التقليديين، يوحي برغبة في هندسة اتفاق الضرورة الذي قد يضع مصير سلاح حزب الله على طاولة التشريح كجزء من أثمان بقاء السلالة الحاكمة في طهران.
إنّ هذا التحول البراغماتي في إيران بدأ يُحدث ارتدادات زلزالية داخل الجناح العسكري في بيروت، إذ تسود حالة من التوجس والارتباك بين صفوف القيادات الميدانية التي ترى في مفاوضات قاليباف ملامح صفقة كبرى قد تُبرم على حساب تضحياتها. إنّ هذا الجناح الذي يشعر بطعنة الداخل اللبناني وطعنة البراغماتية الإيرانية معاً، قد يتجه نحو تصعيد انتحاري لتعطيل مسار المفاوضات، وإثبات أن قرار الميدان لا يزال بيده وليس بيد طاولات الدبلوماسية في الخارج. إن محاولة قصف عوكر، وسقوط الصواريخ فوق كسروان، قد تكون الرسالة الأولى من المتضررين داخل المحور لإفشال أي تسوية تهدف لتقليم أظافر السلاح مقابل بقاء النظام في طهران.
ولبنان اليوم يقف وحيداً في مواجهة هذه المقايضات القاسية، حيث لم تعد المواجهة تدور حول خروقات حدودية فحسب، بل حول قدرة المؤسسات الرسمية على الصمود أمام فيتو الثنائي الشيعي الذي اعتبر طرد السفير طعنة في الظهر. وبين صواريخ كسروان التي استهدفت عوكر، وبين طاولات التفاوض، يجد اللبناني نفسه ضحية لمسار إقليمي يريد إبقاء بيروت منصة تفاوض لا دولة سيادة. ممّا يدل على أنّ استقلال لبنان الدبلوماسي لن ينجح في كسر طوق التبعية، إن بقيَ لبنان مجرد تفصيل صغير في صراع الدول الكبرى التي تتقاسم النفوذ فوق جثث الأبرياء.

شارك المقال