د. رباب وهبي تكتب: لبنان.. بلد يعيش بتوقيتين وقرارين
نبذة عن الكاتبة
رباب يوسف وهبي
باحثة وأكاديمية لبنانية، دكتورة في التاريخ الحديث والمعاصر والعلاقات الدولية من جامعة بيروت العربية – لبنان.
أستاذة تاريخ في ملاك التعليم الرسمي الثانوي، وكاتبة في الشؤون السياسية والتاريخية وقضايا التحول في الشرق الأوسط.
“لبنان… قصة بلد يعيش على توقيتين وقرارين”
بقلم الدكتورة رباب يوسف وهبي
في الوقت الذي ينشغل اللبنانيون بمراقبة خرائط الغارات والتحركات العسكرية فوق أراضيهم، ثمة حرب أخرى تدور بصمت خلف الأبواب المغلقة وفي أروقة المكاتب الرسمية، إنها حرب من يمسك زمام الأمور. وفي لبنان اليوم، لم يعد السؤال هو متى تنتهي الحرب، بل من هو الشخص الذي يملك حق إنهائها أو البدء بها أصلاً. نحن أمام مشهد غريب، دولة تحاول أن تحجز لنفسها مقعداً على طاولة القرار، وقوة ميدانية تفرض إيقاعها الخاص بناءً على حسابات تتجاوز حدود الخريطة اللبنانية.
إنّ هذا الانقسام لم يعد مجرد نقاش سياسي، بل صار واقعاً يلمسه الناس في كل تفصيل. فعندما خرج رئيس الحكومة نواف سلام ليتحدث بصراحة غير مسبوقة عن أن هذه الحرب فُرضت على اللبنانيين، لم يكن يُلقي خطاباً عابراً، بل كان يضع إصبعه على الجرح النازف، والمتمثّل في فكرة أن الدولة اللبنانية تجد نفسها اليوم في موقع محدود التأثير أو المسؤول عن النتائج دون أن تكون هي من اتخذ القرار الأصلي. وفي المقابل نجد خطاباً آخر يمثله حزب الله، يرى في الميدان هو الحقيقة الوحيدة، وأن المفاجآت العسكرية هي التي سترسم معالم المرحلة المقبلة، بمعزل عن التوازنات الدبلوماسية التقليدية، في ظل قناعة هذا الفريق بأن المواجهة جزء من توازن ردع إقليمي.
إنّ هذا التضارب يضع المواطن اللبناني في حيرة قاتلة، فهو يعيش في بلد يسير برأسين. رأس يمثله الدستور والمؤسسات الدولية التي تحاول الحكومة مخاطبتها، ورأس آخر يمثله السلاح والواقع الميداني الذي يفرض كلمته في القرى والمدن. والأمر لا يتوقف عند جبهات القتال، بل يمتد ليصل إلى لقمة العيش ومكان السكن. خذ مثلاً ما حدث في ملف النازحين والجدل حول مراكز الإيواء مثل مركز الكرنتينا، وهو ما يعكس كيف تمتد ازدواجية القرار من الملفات العسكرية إلى القضايا الإنسانية، حتى الإجراءات الإنسانية البسيطة أصبحت تخضع لميزان القوى الداخلي، حيث يُنظر لكل خطوة حكومية إما كفعل تحدٍ أو كاستسلام لواقع مفروض.
والأكثر تعقيداً في هذا المشهد هو الظل الإقليمي الذي يخيّم فوق كل تصريح. فعندما يتم الحديث عن دور الحرس الثوري الإيراني أو التدخلات الخارجية، يدرك اللبنانيون أن قرارهم لم يعد ملكهم بالكامل. لم تعد القضية مجرد خلاف بين أحزاب محلية، بل تحول لبنان إلى ساحة لتصفية حسابات كبرى، تدفع الدولة اللبنانية ثمنها من سيادتها وهيبتها.
إن ما يعيشه لبنان اليوم هو حالة من الاعتياد الخطير على غياب الدولة. لقد ألف الناس فكرة وجود سلطتين، واحدة تملك الأختام الرسمية، وأخرى تملك السيطرة على الأرض. وفي ظلّ السعي لإجراء مفاوضات وقف إطلاق نار، تُشير المعطيات إلى أنّ الدولة اللبنانية حتى وإن توصّلت إلى اتفاق مع الخارج، سيكون من الصعب عليها تنفيذ اتفاقها في الداخل.
وما يزيد من قسوة هذا الواقع أنّ كل صوت لبناني يسعى إلى تحييد بلده عن صراعات الآخرين، ومحاولة إخراجه من لعبة المحاور، في ظل مناخ داخلي قائم على الاصطفاف الحاد، يُقابل غالباً باتهامات جاهزة بالخيانة أو التخلي عن القضية. وهكذا يصبح السعي إلى حماية الوطن نفسه موضع شك، وكأنّ الدعوة إلى دولة واحدة وقرار واحد تحتاج إلى تبرير.
وما يسعى إلى قوله كلّ لبناني حرّ أنّ لبنان ليس مجرد جبهة قتال، بل هو ناس يبحثون عن أمان مفقود تحت سقف دولة واحدة وجيش واحد وقرار واحد. إن الاستمرار في العيش بشرعيتين هو استنزاف لروح الوطن قبل موارده. فالحرب قد تنتهي بهدنة أو اتفاق، لكن الأزمة الحقيقية ستبقى قائمة طالما أن هناك من يقرر، وهناك من يُطلب منه دائماً أن يدفع الفاتورة دون أن يُسأل عن رأيه. لذا بات من الواضح أن الدولة اللبنانية لن تستعيد قرارها من دون توافق داخلي يسبق أي اتفاق خارجي.





