د. رباب وهبي: “امتحانان لشعب واحد” يهددان وحدة لبنان
نبذة عن الكاتبة
رباب يوسف وهبي
باحثة وأكاديمية لبنانية، دكتورة في التاريخ الحديث والمعاصر والعلاقات الدولية من جامعة بيروت العربية – لبنان.
أستاذة تاريخ في ملاك التعليم الرسمي الثانوي، وكاتبة في الشؤون السياسية والتاريخية وقضايا التحول في الشرق الأوسط.
” في لبنان فقط امتحانان لشعب واحد يحوّلان الشهادة إلى أداة انقسام”
بقلم: د. رباب يوسف وهبي
في لبنان اليوم، التعليم لا يعكس مجرد عملية أكاديمية، بل مرآة لمستقبل الوطن وهويته. بينما يُعلن المركز التربوي للبحوث والإنماء أن ٧٠٪ من المنهاج الدراسي قد أُنجز، يغرق آلاف الطلاب في الجنوب والبقاع والضاحية في ضياع قسري، بين مدارس مقفلة وملاجئ موقتة ونزوح متواصل، حيث يُسلبون أبسط حقوقهم في التعلم.
الأخطر من ذلك هو ما يُحضّر رسمياً (امتحانان للطلاب في سنة واحدة) واحد لمن يعيشون في المناطق المستقرة وآخر للطلاب في مناطق النزاع. هذا القرار لا يعكس واقع الطلاب وحاجاتهم، بل يمنح الشرعية الرسمية للتفاوت الجغرافي والطبقي، ويحوّل التعليم من جسر للعدالة إلى أداة لتعميق الاحتقان والاستياء الاجتماعي. فالطلاب النازحون يُحاسبون على جراحهم اليومية، بينما زملاؤهم في المناطق الآمنة ينعمون ببيئة مستقرة. بهذه الطريقة، تصبح الظروف القاهرة قدرًا محتومًا يلاحقهم حتى في شهادتهم الرسمية.
إن الحل لا يكمن في البيانات الترقيعية أو الإحصاءات الباردة، بل في قرار وطني شجاع يحمي كرامة الطلاب ويضمن تكافؤ الفرص. صياغة منهاج طوارئ موحّد ومختصر، يركز على الكفايات الأساسية ويطبق على جميع الطلاب دون استثناء، هو الضمانة الوحيدة للعدالة. وبالتوازي، يجب توفير مراكز امتحانات مجهزة في المناطق الأكثر أمانًا، مع تأمين النقل والإقامة المؤقتة للطلاب النازحين، لضمان ظروف امتحانية عادلة تشبه بيئة زملائهم في المناطق الآمنة.
فالتعليم ليس حقل تجارب، والشهادة الرسمية ليست لعبة سياسية. أي سكوت عن هذه السياسات يعني شراكة في الظلم، ويزرع شرخًا طويل الأمد في المجتمع. العدالة التربوية هي الحصن الأخير لما تبقى من وحدة لبنان، وأي ممارسة تهدد هذا المبدأ هي لعب بالنار، قد يترك آثارًا أكبر من أي أزمة مادية، لأنه يؤثر على جيل كامل على مستوى التعليم والهوية الوطنية.






