رباب يوسف وهبي

مقال الدكتورة رباب يوسف وهبي حول ذكرى الشهداء وعيد التحرير

مقال الدكتورة رباب يوسف وهبي حول ذكرى الشهداء وعيد التحرير

نبذة عن الكاتبة

رباب يوسف وهبي
باحثة وأكاديمية لبنانية، دكتورة في التاريخ الحديث والمعاصر والعلاقات الدولية من جامعة بيروت العربية – لبنان.
أستاذة تاريخ في ملاك التعليم الرسمي الثانوي، وكاتبة في الشؤون السياسية والتاريخية وقضايا التحول في الشرق الأوسط.

“السادس من أيار…صراع السيادة بين مشانق الكلمة وتحرير الجغرافيا”
بقلم: د. رباب يوسف وهبي
​إن الكتابة عن السادس من أيار تتجاوز استعادة حدث تاريخي وقع عام 1916، لتصبح مواجهة فكرية مع مفهوم السيادة والحرية في المشرق العربي. ففي ذلك الفجر، حين نصب جمال باشا السفاح أعواده في بيروت ودمشق، لم يكن يستهدف تصفية أفراد، بل كان يسعى لقطع رأس النهضة العربية الفكرية التي بدأت تتبلور ضد الحكم العثماني المتداعي. هؤلاء الشهداء، من نخب ثقافية وصحافية مثل عبد الغني العريسي والشيخ أحمد طبارة والإخوة محمصاني، لم يسقطوا في معارك عسكرية، بل قُتلوا لأنهم نقلوا المواجهة من السلاح إلى الفكر والمطالبة بالاستقلال والعدالة الاجتماعية، مما جعل تهمة الخيانة العظمى والتواصل مع القنصليات الأجنبية مجرد غطاء سياسي لإعدام مشروع المواطنة الحرة قبل ولادته.إن هؤلاء المثقفين كانوا ضحية تقاطعات دولية كبرى، فبينما كانوا يواجهون المشانق دفاعاً عن حلم الاستقلال، كانت القوى الكبرى تطبخ اتفاقية سايكس بيكو لتقاسم المنطقة. هذا يضعنا اليوم أمام واقع معاصر يتشابه في جوهره مع الماضي، حيث لا تزال الكلمة في لبنان والمنطقة محاصرة بين فكي الارتهان للخارج أو القمع الداخلي تحت مسميات الاستقرار أو المصالح العليا. لقد تحول الإعلام من مساحة لبناء الوعي الوطني إلى ساحة صراع تعكس انقسامات المحاور الإقليمية، مما أفقد الكلمة قدرتها على أن تكون فعلاً تغييراً، وجعلها أداة لتثبيت الاصطفافات الطائفية والسياسية. وفي الذاكرة اللبنانية المعاصرة تظهر الاشكالية في الإزاحة التدريجية لرمزية 6 أيار لصالح 25 أيار، عيد المقاومة والتحرير. هذا التحوّل ليس مجرد تغيير في المواعيد، بل هو انعكاس لتبدل في الرواية الرسمية للبطولة، فبينما يمثل 25 أيار منجزاً مادياً وعسكرياً ملموساً يتمثل في دحر الاحتلال الإسرائيلي عام 2000، وهو ما ينسجم مع صعود قوى المقاومة المسلحة وتصدرها للمشهد السياسي، يبقى 6 أيار عيداً للنخبة الفكرية والصحافية التي تراجع دورها أمام لغة القوة الصلبة. إن تهميش 6 أيار يعكس رغبة الجماعة السياسية في الاحتفاء بالانتصار على العدو الخارجي وتجنب الذكرى التي تسائل السيادة الداخلية وحقوق الأفراد وحرية التعبير. فالتحرير الذي تحقق في 25 أيار يبقى منقوصاً ما لم يُستكمل بالتحرر الفكري الذي استشهد من أجله رجال 6 أيار لأن الأرض التي تتحرر بالسلاح قد تُستلب مجدداً إذا فُقدت فيها حرية الكلمة وصدقها. إن السادس من أيار اليوم هو الميزان الذي يقيس مدى قدرتنا على قول الحقيقة في زمن التبعية، وهو التذكير الدائم بأن الوطن لا يُبنى فقط بحدود جغرافية محررة، بل بعقول لا تخشى المشانق ولا تغريها التوافقات الهشة التي تُلغي جوهر الحرية.

شارك المقال