الصحافي مرسال الترس

لماذا يسعى المسيحيون إلى فيدرالية؟

لماذا يسعى المسيحيون إلى فيدرالية؟

مرسال الترس

موقع “الجريدة

لم يكن رد الفعل الإيجابي لدى قيادات واسعة في المجتمع المسيحي على “اتفاق الإطار” الذي وقّعه لبنان مع العدو “الإسرائيلي” مفاجئاً، بالرغم من شبه الإجماع على أنه مجحف جداً بحق السيادة اللبنانية، ولا سيما ملحقه الأمني السري، فيما كان قادة كيان الاحتلال الإسرائيلي في غاية الغبطة والحبور بمضمونه الذي يميل، بأشواط، إلى ما يخططون لتحقيقه.

ربما من باب “انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً”، ولتعزيز موقف رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، الذي كان سباقاً إلى الدعوة للمفاوضات المباشرة مع “إسرائيل”، والسير بحماسة نحو توقيع الاتفاق من خلال رعايته اللصيقة للوفد المفاوض، سارع البطريرك الماروني بشارة الراعي إلى شكر الله على توقيع الاتفاق، فيما صفق له رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع، ورئيس حزب “الكتائب” سامي الجميل، بالتزامن مع إطلاق العديد من الأسماء المسيحية المتداولة الدعوات للوصول إلى الفيدرالية الكاملة والشاملة.

لكن، وصل الأمر برئيس حزب “الوطنيين الأحرار” النائب كميل شمعون إلى القول: “إذا كان المطلوب القبول بسلاح غير شرعي، فليتسلح الجميع، ولنذهب إلى مواجهة مفتوحة، ولنرَ من يبقى حتى النهاية”، مشككاً بالدور المناط بالجيش اللبناني، حيث قال: “ما جدوى الجيش إذا كان السلاح يمر من أمامه من دون أن يكون له حق الاعتراض أو منعه؟”. وكانت هذه المواقف في قمة الوقاحة السياسية التي تدفع بالوطن إلى هاوية التقسيم عبر الفيدرالية أو ما يوازيها.

هل يتحمل المسيحيون في لبنان، ولا سيما الموارنة منهم، تبعات التوجه نحو شرذمة الوطن؟ وما هي صورة الكيان الذي يسعون إليه، في وقت يتوق فيه كيان الاحتلال الإسرائيلي إلى تفتيت المنطقة إلى كيانات طائفية ومذهبية؟

إذا كانوا يتكئون على الإدارة الأميركية في واشنطن، فيجب تذكيرهم بأن تلك الإدارة تضع، في أولويات استراتيجياتها، دعم الكيان الإسرائيلي، وقد أثبتت التجارب معها، في مراحل سابقة، أن النتيجة كانت “ارتطام الرؤوس بالجدران”.

ولمن تخونهم الذاكرة، من المدفون إلى كفرشيما، تذكير بالوقائع التالية:

  • في عام 1958، وإثر قيام الثورة في وجه رئيس الجمهورية كميل شمعون احتجاجاً على ارتباطه بـ”حلف بغداد”، انكفأ الأسطول السادس الأميركي عن الشواطئ اللبنانية، تاركاً أركان الحكم “يقلّعون شوكهم بأيديهم”.
  • في عام 1983، هللت الأحزاب المسيحية في “المناطقة الشرقية” للعاصمة بيروت، لأن الأسطول الأميركي سيقصف، دعماً لها، مواقع للجيش السوري وحلفائه في جبل لبنان الغربي. لكنها صُدمت عندما اكتفت المدمرة “نيوجرسي” بإطلاق بضع قذائف على أرض مفتوحة، ثم غادرت المياه الإقليمية.
  • في عام 1984، حملت قوات المارينز الأميركية “الخيبة” بعد تفجير كبير طال موقعها الرئيسي على طريق المطار، بعدما حطت رحالها قبل نحو عام في العاصمة بيروت دعماً لسلطة رئيس الجمهورية أمين الجميل، الذي وقّع اتفاق 17 أيار مع “إسرائيل”.

هذا غيض من فيض الوعود الأميركية والتنصل منها تجاه لبنان. أما على الصعيد العالمي، فلعل مشاهد انسحابها من كل من فييتنام وأفغانستان أوضح دليل على فراغ وعودها. ولعل ما نُقل عن لسان الرئيس الأميركي السابع والثلاثين ريتشارد نيكسون أكبر دليل على تلك الوعود الوردية، حين قال: “الأميركيون أفضل شعب في الهروب من الهزائم!”

فمن سيتحمل نتائج الهزيمة المدوية مرة جديدة؟ وهل المجتمع المسيحي مهيأ لمثلها؟

شارك المقال