“أثر عناق لا يغيب”: عناق لم يكن اقتراب جسدين بل عودة روح إلى ظلها
أثر عناق لا يغيب
بقلم الأستاذة روزانا السيد بغدادي
لا المرآة أفشت سر ارتباكي
ولا النافذة اعترفت كم مرة مر طيفه في الضوء
ولا الياسمين حمل رجفة يدي حين هبط المساء.
وحده الحنين
يعرف الطريق
يمشي في دمي كأثر قديم
وصل إلى مكان لم تطأه الخطى بعد.
قلت:
سأترك ظلي عند عتبة حضوره
وأدخل بلا اسم ولا سؤال
فبعض اللقاءات لا تأتي لتكشف لنا الآخر
بل تعيد إلينا ما أضعناه من أنفسنا.
ثلاثة شهور…
أرتب فيها فوضى الكلام
معلقة بين نبضة ونبضة
أخبئ ما لم أقله في صمت طويل
يكفيني لأنثر في حقل العمر
سنيناً أخرى من الضوء.
حتى جاء…
لم يعلن الباب عن وصوله
ولم تحمل الخطوات أي وعد
بقي ارتعاش خفي في المكان
غائب عاد فجأة إلى موضعه الأول.
وجاء العناق…
لم يكن اقتراب جسدين
بل عودة روح إلى ظلها
نافذة انفتحت بعد غياب طويل
فخرج منها كل ما كتمناه.
في تلك اللحظة
لم أبحث عن الكلمات
فالصمت أصدق منها
وفي القرب معنى تعجز الحروف عن حمله.
مر الوقت ببطء
أدرك أنه أمام لحظة لا تتكرر
فخفف خطاه
وتركها معلقة بين قلبين.
ومضى…
لكن شيئاً منه بقي
ليس صورة تستعاد
ولا ذكرى تعبر
بل أثر خفي يسكن الأماكن التي لا يراها أحد.
ذلك العناق
لم يكن موعدا بين اثنين
بل بابا فتح في الروح
فرأيت خلفه وجهي الذي فقدته ذات يوم.
ومنذ ذلك الحين
لم أعد أبحث عنه في الطرقات
فبعض الحضور لا يسكن المكان
يسكن ما تركه فينا.
هناك…
يصير الشوق حديثاً بين القلب وربه
ويتحول الانتظار إلى يقين هادئ
ولا يعود الحب امتلاكاً
بل نوراً يأخذ بأعيننا
إلى أشياء لم نرها من قبل.
ذلك العناق حلما…
فلا توقظوني منه
أحلام كثيرة تعبر بنا إلى أماكن
لا تبلغها اليقظة
وبعض الغياب
يحمل من الحضور
ما تعجز عنه اللقاءات.
دعوني أقيم في تلك اللحظة
حيث عرفت الطمأنينة طريقها إلي
وعادت الروح إلى اسمها الأول.
ليس كل ما لا تراه العين وهماً
أعمق الأشياء
تسكننا قبل أن نراها.
وإن كان حلما…
فليكن حلما لا ينتهي
فقد وجدت فيه من النور
ما يكفيني لعبور ما تبقى
بقلب أكثر اتساعاً وطمأنينة.
روزان االسيد بغدادي






