رباب يوسف وهبي

د. رباب وهبي: كيف تحول لبنان من مشروع دولة إلى ساحة أزمات؟

د. رباب وهبي: كيف تحول لبنان من مشروع دولة إلى ساحة أزمات؟

مأزق السيادة الضائعة… كيف تحوّل لبنان من مشروع دولة إلى ساحة أزمات؟

بقلم: د. رباب يوسف وهبي

الحروب لا تنتهي فعلياً بمجرد أن تسكت المدافع، بل إن النهاية الحقيقية تبدأ عندما تنجح المجتمعات في بناء دولة يتساوى فيها الجميع أمام القانون. ومن الواضح أن إعادة إعمار الجسور والطرق الإسفلتية أسهل بكثير من إعادة بناء الثقة المكسورة بين المواطن ومؤسساته، أو ترميم ما خلفته سنوات الصراع من شروخ سياسية ونفسية عميقة.

في لبنان، انتهت الحرب الأهلية رسمياً عام 1990، لكن آثارها لم تغادرنا، بل تغلغلت في بنية النظام السياسي، وتحكمت في طبيعة علاقة الدولة بالمجتمع، وفي كيفية تقاسم السلطة. دخل البلد مرحلة السلم دون أن ينجز بشكل كامل العبور من ثقافة الحرب إلى ثقافة الدولة، وهذا تحديداً هو السبب الكامن وراء الأزمات المتلاحقة التي عشناها كلبنانيين على مدى العقود الثلاثة الماضية.

بناء الدول بعد النزاعات ليس مجرد حبر على ورق أو اتفاق سياسي لوقف إطلاق النار، بل هو ورشة عمل طويلة الأمد لإعادة تأسيس المؤسسات، وفرض سيادة القانون، وترسيخ مفهوم المواطنة الحقيقية. وتُجمع أدبيات بناء السلام على أن الدول الخارجة من الحروب تحتاج إلى اقتلاع جذور الصراع من الأساس، وليس الاكتفاء بمهدئات مؤقتة لنتائجه، لأن الأزمات المؤجلة غالباً ما تعود لتنفجر بأشكال جديدة.

لو نظرنا إلى تجارب العالم، سنجد أن السلام المستدام يرتبط دائماً بالعدالة الانتقالية. في جنوب أفريقيا، شكلت لجان الحقيقة والمصالحة مساحة للاعتراف بالانتهاكات، مما فرمل نزعات الانتقام. وفي رواندا، ورغم قسوة المأساة، وُضعت آليات قضائية ومجتمعية حاسبت المسؤولين ورممت النسيج المجتمعي. أما في البوسنة والهرسك، فما زالت الانقسامات تعكس صعوبة بناء دولة متماسكة عندما تظل آثار الحرب حية داخل مؤسسات الحكم.

أما في التجربة اللبنانية، فقد ذهبنا نحو التسوية السياسية على حساب العدالة الانتقالية. صدر قانون العفو العام، وغابت المحاسبة، وبقيت ملفات شائكة كالمفقودين والمهجرين دون علاج حقيقي. هذا الهروب إلى الأمام ساهم في خلق روايات متعددة ومتصادمة للحرب، فكل جماعة احتفظت بقراءتها الخاصة للأحداث، في غياب سردية وطنية جامعة تساعد الأجيال الجديدة على فهم الماضي لتجاوزه.

بالتأكيد، لا يمكننا عزل هذا الواقع عن النظام السياسي القائم على المحاصصة الطائفية. فبدل أن تكون مؤسسات الدولة مظلة تجمع كل المواطنين، وتقوم على مبدأ الكفاءة والشخص المناسب في المكان المناسب، تحوّلت في كثير من الأحيان إلى ساحة لتقاسم النفوذ والمغانم بين القوى السياسية. هذا الواقع أضعف الإدارة العامة، وهزّ استقلالية القضاء، واستبدل رابطة المواطنة برابطة الزبائنية والولاءات الضيقة.

إن الدولة الحديثة لا يمكن أن تقوم على المحسوبيات والولاءات الشخصية، بل على المؤسسات. وشرعيتها لا تأتي من توازنات القوى، بل من قدرتها على حماية حقوق الناس، وتطبيق القانون بعدالة، وتأمين الخدمات الأساسية دون تمييز. وكلما ضعفت الدولة، وجدت القوى السياسية فرصتها لملء الفراغ عبر شبكات الرعاية الخاصة بها، ليتحول الحق الطبيعي للمواطن إلى مكرمة أو امتياز، ويصبح مجبراً على البحث عن واسطة أو انتماء لحزب معين لتأمين حقوقه بدلاً من اللجوء إلى القانون.

وهنا يستحضرنا تعريف عالم الاجتماع ماكس فيبر للدولة الحديثة بأنها (الجهة التي تحتكر الاستخدام المشروع للقوة ضمن حدودها)، مما يعني أن شرعية الدولة تنقص كلما شاركها أحد في حفظ الأمن وتطبيق القانون. كما يؤكد الباحث فرانسيس فوكوياما أن نجاح الدول يُقاس بقوة مؤسساتها وكفاءتها، لا بحجم الشعارات الفضفاضة.

واليوم، تضعنا الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة أمام الحقيقة العارية لهذا العجز البنيوي. ففي الوقت الذي يدفع فيه المدنيون الثمن الأكبر من دمائهم وأمانهم، نجد أن النصوص والاتفاقيات الدولية تبدو عاجزة تماماً عن توفير الحد الأدنى من الحماية، وتتحول العدالة الدولية إلى مجرد حبر على ورق تتحكم به موازين القوى والمصالح السياسية.

وفي المقابل، يغرق الخطاب السياسي والبرامج التلفزيونية في لغة التخوين وتبادل الاتهامات الجاهزة، بدل أن تكون هذه اللحظة المصيرية دافعاً لتوحيد الداخل ومحفزاً لإدانة رسمية قاطعة تعيد للإنسان كرامته وحقه في الحياة. هذا الشحن الرقمي والإعلامي لا يفتت النسيج الاجتماعي فحسب، بل يغطي على الأزمة الحقيقية المتمثلة في تغييب مؤسسات الدولة، حيث تتواصل الاعتراضات السياسية على آليات إدارة ملف التفاوض والقرارات المصيرية، وسط غياب توافق وطني جامع، في ظل استمرار الارتهان للولاءات والمحاور الخارجية التي طالما قدمت مصالحها على حساب المصلحة الوطنية العليا.

إن مستقبل لبنان بات مرهوناً بالقدرة على الانتقال من إدارة الأزمات بالوكالة إلى بناء دولة تملك قرارها وتحمي مواطنيها. وهذا الانتقال لا يتوقف عند حدود وقف النار، بل يعتمد بالدرجة الأولى على وعي المجتمع وقدرته على رفض الترهيب الفكري والارتهان للخارج، والدفاع عن دولة تكون فيها المؤسسات الدستورية والقانون هما المرجعية الأولى والأخيرة في الحرب وفي السلم، لأن الدول، في نهاية المطاف، لا تُقاس بالشعارات، بل بقدرتها على انتزاع سيادتها الكاملة وصون كرامة أبنائها.

شارك المقال