رباب يوسف وهبي

د. رباب وهبي: إبادة بيئية في الجنوب وغيبوبة رسمية

د. رباب وهبي: إبادة بيئية في الجنوب وغيبوبة رسمية

“جذور تحت الركام…الخسارة البيئية في الجنوب بين التوثيق القانوني والغياب الرسمي”
​بقلم: د. رباب يوسف وهبي

​لم تعد الحرب على جنوب لبنان تُقاس بأرقام الأبنية الهادمة ولا بأسماء القرى التي رُحّل أهلها قسراً، إذ ثمة نزاع آخر يدور بعيداً عن صخب الشاشات وأضواء العدسات، نزاع صامت يُستهدف فيه الشجر، وتُنسَمّ فيه التربة، وتُباد فيه المراعي والحقول التي لم تكن يوماً مجرد مساحات زراعية، بل تشكّل الحجر الأساس في صياغة الذاكرة الجمعية والتاريخ الاقتصادي والإنساني للجنوبيين.
​في الأيام الأخيرة، تصدر ملف إحراق الغابات والمناطق الحرجية الحدودية الواجهة من جديد، وسط اتهامات متزايدة لإسرائيل بالتنسيق الممنهج لإضرام النيران وتحويل المساحات الخضراء إلى شريط محروق يفتقر إلى الحياة. وببعيداً عن الخطاب السياسي والمساجلات الإعلامية الحزبية، تظهر المعطيات الميدانية والتقارير المستقلة، الصادرة عن جهات دولية موثوقة كمنظمة العفو الدولية، أن الأضرار البيئية والزراعية لم تعد آثاراً جانبية للعمليات العسكرية، بل استحالت جرحاً غائراً يتمدد في عمق الأرض ومستقبل القاطنين فيها، نتيجة الاستخدام المفرط للذخائر الحارقة ومادة الفوسفور الأبيض.
​إن المسألة هنا تتجاوز بأبعادها مجرد حريق عابر في أحراج حدودية يمكن لمواسم الأمطار أن تمحو أثره. فعندما تحترق شجرة زيتون معمّرة، لا يخسر المزارع محصول عامٍ واحد، بل يفقد تراثاً نبت على مدى عقود طويلة، حيث لا يمكن لشتلة فتية أن تعوض شجرة خضراء أطعمَت أجيالاً وحملت اسم الجد والأب. كما أن انسكاب المواد الكيميائية والعسكرية في التربة يمتد أثره السمي لسنوات طويلة، ليحرم الأرض خصوبتها، ويصيب المزارع في مصدر رزقه الوحيد قبل أن يصل الضرر إلى أوراق الشجر.
​من هنا تفترق الخسارة البيئية عن أي أضرار مادية تقليدية، فالبناء السكني، مهما بلغت كلفة تشييده، يمكن إعادة إعماره وضخ الحياة فيه خلال أشهر أو سنوات، بينما تحتاج البيئة والنظام الأيكولوجي إلى أزمنة طويلة لترميم أضرارهما وإعادة الحياة إلى الدورة الإنتاجية. وبذلك يقف الجنوب اليوم أمام معادلة قاسية تجمع بين خسارة الحاضر المتمثلة في فقدان الموسم الحالي، وخسارة المستقبل الممتدة في تدمير القدرة الإنتاجية للأرض لسنوات قادمة.
​غير أن التحدي لا يتوقف عند حدود الانتهاكات الخارجية، بل يمتد ليعكس هشاشة التعاطي الرسمي داخل مؤسسات الدولة اللبنانية، وقصورها عن تحويل هذه الأضرار الموثقة إلى ملف قانوني وسيادي يستوفى المعايير الدولية. ولا يعني هذا القول إن الدولة غائبة بالكامل عن هذا المسار، إذ سبق للبنان أن تقدم بشكاوى ومذكرات رسمية في محافل دولية ومجلس الأمن بخصوص الأضرار الناتجة عن القصف والفوسفور، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في الاعتماد على تحركات مجزأة وردود أفعال ظرفية ترتبط بحدّة الأحداث، بدلاً من بناء استراتيجية موثقة ومستمرة.
​إن المواجهة القانونية والدبلوماسية الناجحة لا تُخاض بالبيانات الصحفية الشديدة اللهجة ولا بالشعارات العاطفية، بل تحتاج إلى بناء ملفات جنائية بيئية متكاملة. يتطلب هذا العمل الفني رصد الأضرار عبر الصور الفضائية المسحية، وأخذ عينات مخبرية للتربة والمياه الجوفية، وإجراء مسح خرائطي وشامل للمناطق المتضررة لتحديد أنواع الأشجار المحروقة وقياس الخسائر الاقتصادية والاجتماعية المباشرة وغير المباشرة التي لحقت بالمجتمعات المحلية.
​وهنا تبرز المسؤولية المباشرة التي تقع على عاتق وزارات البيئة والزراعة والخارجية بالتعاون مع السلطات المحلية والمؤسسات الأكاديمية، إذ إن الجنوب يمثل أحد أهم الخزانات الزراعية والبيئية في لبنان، وأشجاره وأراضيه ليست ملكاً للجيل الحالي وحده، بل هي ثروة سيادية محجوزة للأجيال القادمة. ولهذا، فإن الاعتداء على البيئة الجنوبية هو اقتطاع صريح من آفاق المستقبل الوطني.
​لقد اعتاد الجميع على تقييم نكبات الحروب عبر مشاهد الركام والدمار العمراني لبيوت ومؤسسات وقرى هُجّر قاطنوها، لكن الدمار البيئي الأشد خطورة يظل غير مرئي بالقدر نفسه في الصور الفوتوغرافية. فالأرض التي فقدت خصوبتها والشجرة التي استُؤصلت من جذورها لا تصنع خبراً عاجلاً، لكن آثارها تبقى.
​يحتاج الجنوب اللبناني اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، إلى خطة وطنية بيئية شاملة تُخرج القضية من إطار التعاطف العابر أو المعالجات الظرفية، وتبدأ بفحص علمي دقيق للأراضي وإلغاء آثار المواد السامة، تمهيداً لإعادة التشجير ودعم المزارعين لاستعادة دورتهم الاقتصادية. فالمعركة الحقيقية بعد انقضاء الحرب لن تكون لإعادة بناء الحجر والأسقف فقط، بل لإنقاذ الأرض التي تجعل الحياة الإنسانية فوق هذا الحجر ممكنة ولها معنى. وحين تحترق شجرة زيتون في الجنوب، لا يحترق حطب يابس، بل تحترق سنوات من الصمود، ومصدر عيش كريم، وقطعة أساسية من هوية لبنان وسيادته.

شارك المقال