ميسم رزق: واشنطن تروج للإيجابيات والخلافات تعرقل روما
واشنطن تروّج لـ«إيجابيات» روما… والخلافات تعرقل الجولة الثامنة
🗞️ ميسم رزق – الأخبار
لا تبدو واشنطن معنية كثيراً بما جرى فعلياً في الجولة السابعة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية في روما، بقدر ما تبدو منشغلة بتقديم نتائجها وفق ما يخدم روايتها السياسية. فبعد جولة كشفت، بحسب التسريبات والمعطيات المتداولة، عن خلافات جدية بين الطرفين، خرجت الإدارة الأميركية للحديث عن مفاوضات «بنّاءة ومفصّلة»، وعن تقدم في الخرائط والمعايير وآليات التحقق، بل ذهبت إلى تحديد أيلول موعداً للجولة المقبلة، في محاولة لإظهار أن المسار يسير بصورة طبيعية، وأن الإطار الثلاثي دخل فعلياً مرحلة التنفيذ.
لكن هذه الرواية تصطدم بما رشح عن أجواء الجولة السابعة وما أعقبها. فعندما تتحدث مصادر إسرائيلية عن خلافات كبيرة، وتنقل وسائل إعلام إسرائيلية وأميركية عدم وجود موعد محدد لجولة جديدة، فيما تبقى قضايا أساسية، من الانسحاب الإسرائيلي إلى توسيع المناطق التجريبية وآليات التفتيش والرقابة، موضع خلاف، يصبح الحديث عن «تقدم» بحاجة إلى الكثير من التدقيق.
فالمفاوضات، وفق ما تسرّب عنها، لم تتعثر عند مسائل تقنية هامشية، بل اصطدمت بمطالب إسرائيلية تتعلق بتفتيش نسبة كبيرة من المنازل جنوب الليطاني، وبرفض إسرائيلي لأي انسحاب إضافي من الأراضي اللبنانية، فضلاً عن الخلاف حول توسيع نطاق المناطق التجريبية وإدخال الخيام وبنت جبيل إليها.
والأكثر دلالة ما ورد في التسريبات التي أعقبت الجولة، لجهة رفض الجانب العسكري اللبناني بعض المطالب الإسرائيلية، واستمرار الخلاف حول آليات تنفيذ التفاهم، فضلاً عن عدم حسم موعد الجولة المقبلة.
ونقلت صحيفة «يسرائيل هيوم» أن المسؤولين العسكريين اللبنانيين الذين شاركوا في الجولة الأخيرة رفضوا هذا الطلب بشكل قاطع، رغم قبول المسؤولين السياسيين به. وبحسب الصحيفة، تمحورت الخلافات حول نقاط عدة، أبرزها توسيع المناطق التجريبية، مع طلب لبناني بإدخال الخيام وبنت جبيل إليها، وهو ما رفضه الجانب الإسرائيلي. ونقلت صحيفة «معاريف» أن «إسرائيل قالت إنها ستدرس الطلب اللبناني، لكن الواضح أن تل أبيب وواشنطن لا تقبلان بأي انسحاب جديد من جنوب لبنان».
وكان مسؤول في الخارجية الأميركية أعلن أن المحادثات التقنية اللبنانية – الإسرائيلية في روما اختُتمت الخميس، بعد ثلاثة أيام من مناقشات «بنّاءة ومفصّلة». وقال إن الجانبين استكملا وضع التفاصيل اللازمة لتنفيذ المناطق التجريبية، إلى جانب عدد من الجوانب المرتبطة بالإطار الثلاثي. وبحسب التصريح الأميركي، تتركز مهمة المحادثات التقنية على ضبط الآليات والتفاصيل التنفيذية قبل الانتقال إلى مراحل أوسع، بما يحول دون تعثر الإطار عند بدء تطبيقه عملياً.
استمرار الضغط العسكري بالتوازي مع المسار التفاوضي يضع الرواية الأميركية أمام اختبار فعلي
وأخطر ما في هذا الخطاب يكمن في توصيف الخلافات السياسية بأنها مجرد «تفاصيل تقنية». إذ يبدو أن الخطاب الأميركي يدفع باتجاه نقل طبيعة النزاع من خلاف سياسي يتعلق بالأرض والسيادة والانسحاب إلى خلاف تقني حول الخرائط وآليات التحقق وإزالة الألغام. وهذا التحويل في طبيعة النقاش ليس تفصيلاً بحد ذاته.
فعندما يقال إن الوفود «وحّدت المصطلحات والخرائط والإجراءات»، يصبح السؤال المتعلق بالانسحاب الإسرائيلي وكأنه مسألة يمكن تأجيلها إلى مرحلة لاحقة. وعندما يجري التركيز على «المناطق التجريبية»، يتراجع السؤال الأهم: من يملك القرار على الأرض، ومن يحدد شروط التنفيذ؟ وإذا صحّت المعلومات التي نقلتها وسائل إعلام إسرائيلية عن رفض تل أبيب أي انسحاب إضافي من جنوب لبنان، فإن الحديث عن «تنفيذ تدريجي» من دون حسم هذه المسألة يبقى ناقصاً، مهما بلغ حجم التقدم في الخرائط والمعايير والإجراءات.
ولا يمكن فصل الرواية الأميركية عن الواقع الميداني. ففي الوقت الذي كانت فيه واشنطن تتحدث عن أجواء إيجابية في روما، واصلت إسرائيل عملياتها العسكرية والقصف والتفجيرات في مناطق جنوبية عدة. واستمرار الضغط العسكري بالتوازي مع المسار التفاوضي يضع الرواية الأميركية أمام اختبار فعلي: إذا كانت المفاوضات تهدف إلى إنتاج ترتيبات مستقرة، فإن استمرار فرض الوقائع بالقوة لا يمكن تقديمه باعتباره مجرد «تحديات أمنية» تعترض التنفيذ. وبهذا المعنى، فإن الحديث الأميركي عن «إيجابيات» ليس سوى محاولة لإعادة صياغة الواقع السياسي والتفاوضي بما يمنع الاعتراف بأن الجولة الأخيرة لم تحقق الاختراق الذي تريد واشنطن إظهاره.





