رباب يوسف وهبي

رباب وهبي: علي الطاهر ورقة تفاوضية أميركية إسرائيلية

رباب وهبي: علي الطاهر ورقة تفاوضية أميركية إسرائيلية

“علي الطاهر بين الطموح الإسرائيلي والفيتو الأميركي…واشنطن تضبط إيقاع الجنوب ولا تلغي الحرب”
بقلم د. رباب يوسف وهبي
​لم تكن مرتفعات علي الطاهر مجرد امتداد جغرافي مشرف على النبطية وقريب من إقليم التفاح يومًا، بل طالما شكلت حاجزاً طبيعياً ورأس جسر في الصراع المفتوح على أرض الجنوب. غير أن ما جرى مؤخرًا نقل هذه التلة من خانة التكتيك العسكري الميداني إلى قلب المناورة السياسية الدولية. بات الرهان الإسرائيلي على فرض واقع أمني جديد في محيط النبطية يصطدم بحسابات أكثر تعقيدا ترسمها الإدارة الأمريكية، ليتكشف الميدان عن مساحات شائكة تتحكم فيها الأولويات الإقليمية وتوازنات القوى الدقيقة.
​الاندفاعة الإسرائيلية ونمط الضغط الناري المكثف المحيط بمرتفعات علي الطاهر، عبر محاور كفرتبنيت وأرنون والزفاتة، لا يعكسان رغبة عابرة في تدمير هدف محدد، بل يعبران عن مسعى قديم ومستمر لاقتطاع نقطة حالمة بالسيطرة الرصدية والنارية على الشرايين الحيوية للمنطقة. ورغم الخسائر والمحاولات الفاشلة لتثبيت أقدام مشاة البحرية أو القوات البرية فوق المرتفع، واصلت تل أبيب محاصرة المنطقة بالغارات والتمشيط لإبقاء الجغرافيا مشلولة ومجردة من أية استعادة عسكرية. لكن هذا الطموح الميداني الضاغط سرعان ما اصطدم بحدود المرسوم الأمريكي الذي لا يقيس المعركة بحجم التلة، بل بمدى تأثيرها على صفيح الإقليم الساخن.
​تدخلت واشنطن لكبح جماح أي عمل بري واسع في هذه البقعة بالذات، ليس من باب الدفاع عن السيادة اللبنانية أو التصدق بتهدئة مجانية، بل لأن فتح معركة بحجم علي الطاهر قد يجر الجبهة بأسرها إلى انزلاق لا وقت له في الأجندة الأمريكية الحالية. فالواضح أن واشنطن، وهي تخوض مواجهة معقدة ومباشرة مع إيران وتراقب عن كثب أزمة مضيق هرمز والتوازنات النفطية، ترى في توسيع العمليات البرية في الجنوب اللبناني مجازفة غير محسوبة قد تخلط الأوراق وتفسد مسار المفاوضات. الضوء الأحمر هنا ليس نهائيًا، بل هو أشبه بكبح مؤقت لتوقيت العملية وحجمها، بغية ابقاء ملف لبنان تحت السيطرة إلى حين اتضاح معالم الصفقة أو المواجهة الكبرى مع طهران.
​يتجاوز التأثير الميداني لعلي الطاهر البعد التكتيكي القائل بأن المرتفع كاشف للمنطقة، فالمبالغات الإسرائيلية التي روّجت لأن السيطرة عليه تفتح الطريق نحو البقاع أو تشرع الأبواب باتجاه بيروت، لا تعدو كونها جزءاً من الحرب النفسية والضغط التفاوضي. فالطبيعة الجغرافية الشديدة التعقيد والتضاريس المحيطة بالنبطية تحوّل أي تقدم بري عميق إلى استنزاف هائل، وتحوّل المعركة من عملية محدودة إلى حرب استنزاف واسعة النطاق شمال الليطاني.
​تتحول علي الطاهر اليوم إلى ورقة تفاوضية مشدودة من أطراف عدة. إسرائيل تضغط بالنار لتعديل خطوط التماس وتحسين شروطها الأمنية، وواشنطن تضع الكوابح لمنع انفجار الجبهة خارج إيقاعها المحدد، بينما يحاول اللبنانيون التمسك بالسيادة ومنع شرعنة أي أمر واقع أمني جديد. وفي انتظار ما ستسفر عنه المواجهة الأوسع في المنطقة، سيبقى هذا المرتفع ساحة اختبار حقيقية: أين تبدأ حدود القدرة الإسرائيلية على فرض الشروط براً، وأين تنتهي قدرة الإدارة الأمريكية على ضبط حليفتها في لحظة إقليمية شديدة الحرارة.

شارك المقال